التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٦ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
|
فإن تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم |
فإنّ المسكَ بعضُ دم الغزال |
|
«وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ».[١] «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ».[٢]
إذا لم يكن القرآن قد ابتعد عن أساليب الكلام المعروفة، ولم تكن البراعة في الجمع بين مزايا الكلام ممّا يوجب خروجه عن المألوف المعهود. الأمر الذي ليس بعزيز في تمايز كلام عن كلام وتفاوت درجات البيان في الإجادة والإيفاء.
وعليه فلا موضع لقول بعضهم: لو صحّ أنّ نقض العادة بضروب جديدة من قوالب الكلام، يمكن أن يكون واحدا من اسس إعجاز القرآن، لصحّ لكُتّاب المسرحيّات أن يزعموا لأنفسهم شيئا من الإعجاز. لأنّها صورة من صور الأداء الفنّي لم تكن معروفة أو مألوفة من قبلُ.
قال: الرأي عندي أنّ المخالفة في الشكل لاتقتضي لذاتها تفاضلًا ... ولا يستسيغ الذوق الفنّي أن تفضّل قطعة أدبية على قطعة اخرى، لأنّ هذه تعادلت فيه الفقر وتلك تخلّصت من قيود الصنعة، أو أنّه شعر والآخر نثر، أو أنّه مسجوع أو متعادل وغيره طليق مرسل.[٣]
نعم لا موضع لهذا الإيراد، بعد أن كان التفاضل في اسلوب البيان نوعا من البراعة قد تبلغ مبلغ الإعجاز، كما في القرآن.
يقول الدكتور طه حسين: ولست أفهم كيف يمكن أن يتسرّب الشكّ إلى عالم جادٍّ، في عربية القرآن، واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه، على ماعرف العربُ أيّام النبيّ صلى الله عليه و آله من لفظ ونظم واسلوب.[٤]
تلك شهادة ضافية من أكبر رجالات الأدب الحاضر، تتسلّم براعة القرآن في إعجازه، وإن كان لم يخرج عن المألوف عند العرب من أساليب كلامهم المعهودة.
وسؤال آخر: إذا كان القرآن لم يجر في اسلوبه على مجاري الشعر، وكانت العرب
[١] - النحل ١٠٣: ١٦.
[٢] - الزمر ٢٨: ٣٩.
[٣] - كلام قاله الدكتور عبدالرؤوف مخلوف، ردّا على مقال الباقلّاني الآنف. الباقلّاني وكتابه، ص ١٩٤- ١٩٩.
[٤] - في الأدب الجاهلي، ص ١٤٧.