التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٦ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
«العظم»: قال ربّي إني وهن منّي العظم، لأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر؛ ذلك أنّها تتوازن مع «إنّي» في صدر الفقرة هكذا: «قالَ رَبِّ إِنِّي» «وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي».
على أنّ هناك نوعا من الموسيقى الداخلية يلحظ ولايشرح- كما أسلفنا- وهو كامن في نسيج اللفظة المفردة وتركيب الجملة الواحدة، وهو يدرك بحاسّة خفية وهبة لدنّية.
وهكذا تتبدّى تلك الموسيقى الداخلية في بناء التعبير القرآني، موزونة بميزان شديد الحسّاسية، تميله أخفّ الحركات والاهتزازات، ولو لم يكن شعرا، ولو لم يتقيّد بقيود الشعر الكثيرة، التي تحدّ من الحرّية الكاملة في التعبير الدقيق عن القصد المطلوب.[١]
وقال الرافعي: كان العرب يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر، وكان اسلوب الكلام عندهم واحدا: حرّا في المنطق وجزلًا في الخطاب، في فصاحة كانت تؤاتيهم الفطرة وتمدّهم الطبيعة، فلمّا ورد عليهم اسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة، ليس فيها إعنات ولامعاياة. ووجوه تركيبه ونسق حروفه ونظم جمله وعبائره، ما أذهلهم هيبةً وروعة، حتى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف الملكة. ورأى بلغاؤهم جنسا من الكلام غير ماهم فيه، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا نغمية رائعة، كأنّها لائتلافها وتناسقها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى وكان أبين لعجزهم.
وكلّ الذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسية يرون أن ليس في الفنّ العربي بجملته شيء يعدل هذا التناسب الطبيعي في ألفاظ القرآن وأصوات حروفه. وما أحد يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا. والقرآن يعلو على الموسيقى إنّه مع هذه الخاصّة العجيبة ليس من الموسيقى.
إنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي في الأنغام الموسيقية، بسبب تنويع الصوت مدّا وغنّة ولينا وشدّة وما يتهيّأ له من حركات مختلفة، وبمقدار مايكسبه من الحدرة والارتفاع والاهتزاز ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
فلوا اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن، لرأيناه أبلغ ماتبلغ إليه اللغات كلّها، في هزّ الشعور
[١] - التصوير الفنّي في القرآن، ص ٨٠- ٨٣.