التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - وفرة الاستعارة في القرآن
المشبّه مطويّ الذكر.
*** وأمّا ابن رشيق فيرى كثرة الاستعارة في القرآن بأنواعها، ممّا يزيده رونقا وجمالًا، لايوجد في غيره. منها قوله تعالى: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ»[١] فإنّها إمّا استعارة تبعية في قوله «طغى»، استعير الطغيان، وهو الخروج عن حدّ الاعتدال، لفورة الماء وثورته. أو ترشيح، باعتبار تشبيه الماء الفائر الذي يسطو على كلّ شيء، بعاصٍ متمرّدٍ عاتٍ لايلوي على شيء، وقد أضمر هذا التشبيه، وطوى ذكر المشبّه به، فكان ذكر الطغيان ترشيحا، لأنّه من خواصّ المشبّه به.
وكذا قوله تعالى: «وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ»[٢] شبّهت ثورة غضب موسى عليه السلام بغوغاء إنسان وضوضائه. فكان هدوؤه سكوتا. أي فلمّا هدأت ثورة غضبه عليه السلام وهذا من الاستعارة المكنّى عنها مع الترشيح.
وقوله تعالى: «سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ»[٣] فقد شبّه لهيب جهنّم بثورة إنسان غائظ. قال الزمخشري: تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق. وهي تفور، تغلي بهم غليان المرجل بماحواه. وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدّة غليانها. يقال: فلان يتميّز غيظا ويتقصّف غضبا[٤] أي يتقطّع فتطير منه شقّة إلى الأَرض وشقّة إلى السماء. وهذا غاية في وصف الغضب بالإفراط.[٥]
و قوله تعالى: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».[٦]
شبّهت الأَرض والسماء بأهل التميّز والعقل، بالإقبال عليهما بالخطاب، والتوجيه إليهما بالأمر والتكليف. واستعير غور الماء بالابتلاع، كأنّ الأَرض تبتلع ماءها، والسماء تقتلع إدرارها. والبلع عبارة عن النشف، والإقلاع: الإمساك.
[١] - الحاقة ١١: ٦٩.
[٢] - الأعراف ١٥٤: ٧.
[٣] - الملك ٧: ٦٧- ٨.
[٤] - التقصّف: صوت الرعد.
[٥] - العمدة، ج ١، ص ٢٧٥، باب ٣٧.
[٦] - هود ٤٤: ١١.