التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٨ - فوائد التمثيل
وقال الشيخ محمد عبده: إنّ القرآن كثيرا مّا يصوّر المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو باسلوب الحكاية، لما في ذلك من البيان والتأثير. فهو يدعو بها الأذهان إلى ما ورائها من المعاني، كقوله تعالى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»[١]. فليس المراد أنّ اللّه تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنّما هو تمثيل لسعتها وكونها لاتضيق بالمجرمين مهما كثروا. ونحوه قوله تعالى- بعد ذكر الاستواء إلى خلق السّماء-: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ»[٢]. والمعنى في التمثيل ظاهر.
وقال- بشأن قصّة آدم وتعليمه الأسماء وسجود الملائكة-: وتقرير التمثيل في القصّة- على مذهب الخلف-: أنّ إخبار اللّه الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض، هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات، يتصرّف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض. وسؤال الملائكة عن جعل خليفةٍ يُفسد في الأرض، لأنّه يعمل باختياره ويُعْطى استعدادا في العلم والعمل لا حدّ لهما، هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنّه لا ينافي خلافته في الأرض. وتعليم آدم الأسماء كلّها، بيان لاستعداد الإنسان لعلم كلّ شيء في الأرض وانتفاعه به في استعمارها. وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصّلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذى يصاحب كلّ روح من الأرواح المدبّرة للعوالم محدودة لا يتعدّى وظيفته. وسجود الملائكة لآدم، عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له، ينتفع في ترقية الكون بمعرفة سُنَن اللّه تعالى في ذلك. وإباء إبليس واستكباره عن السجود، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشرّ وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدّي والإفساد في الأرض. ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمنٌ يكون فيه أفرادُه كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.[٣]
[١] - ق ٣٠: ٥٠.
[٢] - فصّلت ١١: ٤١.
[٣] - تفسير المنار، ج ١، ص ٢٨٠- ٢٨٢.