التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - الموسيقى الباطنة للقرآن
«يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ».[١]
ثمّ هذا الاستطراد في وصف القدرة الإلهية:
«وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ».[٢]
ولكن الموسيقى الباطنية ليست هي كلّ ما انفردت به العبارة القرآنية، وإنّما مع الموسيقى صفة اخرى هي الجلال.
وفي العبارة البسيطة المقتضبة التي روى بها اللّه نهاية قصّة الطوفان تستطيع أن تلمس ذلك الشيءالهائل، الجليل في الألفاظ: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ».[٣]
تلك اللمسات الهائلة، كلّ لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود تنزل، فإذا كلّ شيء:
صمت، سكون، هدوء، وقد كفت الطبيعة عن الغضب، ووصلت القصّة إلى ختامها:
«وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ».
إنّك لتشعر بشيء غير بشري تماما في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة، المنحوتة من صخر صوان، وكأنّ كلّ حرف فيها جبل الألب.
لايمكنك أن تغيّر حرفا، أو تستبدل كلمة باخرى، أوتؤلّف جملة مكان جملة، تعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة. وحاول وجرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بكلمة.
ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة.
ولم يكن مستغربا من جاهليٍّ مثل الوليدبن المغيرة عاش و مات على كفره أن يذهل، وأن لايستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن، برغم كفره فيقول- وقد اعتبره من كلام
[١] - الرعد ١٣: ١٣.
[٢] - الأنعام ٥٩: ٦.
[٣] - هود ٤٤: ١١.