التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠ - ١ - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره
و هذا شيء اعترفت به جهابذة الفنّ، وأذعنت له علماء البيان وامراء الكلام، فضلًا عن شهادة أفذاذ العرب الأقحاح ...
فلنستمع الآن إلى كلماتهم المشرقة:
قال الشيخ عبدالقاهر: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادي آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كلّ مثل، ومساق كلّ خبر، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كلّ حجّة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة، وعشرا عشرا وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة يُنكر شأنها أو يُرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى أو أخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم- ولو حكّ بيافوخة السماء[١] موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخلدت القروم[٢] فلم تملك أن تصول.[٣]
وقال- في مفتتح رسالته الشافية-: اعلم أنّ لكلّ نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخصّ وأولى، وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى. ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل ... وهذا هو السبب في عجز العرب حين تحدّوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أنّ الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتّسع له ذرع المخلوقين.
وقد فصّل هذا المجمل في كتابه (دلائل الإعجاز) أبان فيه عن وجه هذا السرّ وكشف عن حقيقته واستخرج لبابه، قال:
و اعلم أنّ هاهنا أسرارا ودقائق لايمكن بيانها إلّا بعد أن نعدّ جملة من القول في النظم وفي تفسيره وبيان المزيّة من أين تأتيه؟ وما أسباب ذلك وعلله؟ وقد علمت إطباق
[١] - اليافوخ: عظم مقدّم الرأس، والمثال كناية عن الشموخ بالرأس تكبّرا.
[٢] - القرم: العظيم الشأن، يقال: خلد بالمكان أي أقام به، وخلد بالأَرض: لصق بها، كناية عن المسكنة والخمول.
[٣] - دلائل الإعجاز، ص ٢٨.