التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - ٧ - حسن تشبيهه وجمال تصويره
قال: ومن محاسن التشبيه قوله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ».[١] وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة. والحرث هو الأَرض التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض.
ومن هذا الاسلوب قوله تعالى: «وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ»[٢] فشبّه تبرّء الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ. وذلك أنّه لمّا كانت هوادي الصبح[٣] عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ. وكان ذلك أولى من أن لو قيل «يخرج» لأنّ السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة.
وكذلك ورد قوله تعالى: «وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً»[٤] فشبّه انتشار الشيب باشتعال النار.
ولمّا كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه، حتى يحيله إلى غير حاله الأوّلي.
وأحسن من هذا أن يقال: إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذّر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنّه لم يبق بعده إلّا الخمود! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبّه والمشبّه به، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم.[٥]
وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه، ومن هنا غلط بعض الكتّاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّها له، فقال: «هامة، عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة».
قال ابن الأثير، وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء!! فإنّه أخطأ في قوله «أنملة» وأيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال.
فإن قيل: إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام اللّه تعالى حيث قال: «اللَّهُ نُورُ
[١] - البقرة ٢٢٣: ٢.
[٢] - يس ٣٧: ٣٦.
[٣] - الهوادي: المقادم.
[٤] - مريم ٤: ١٩.
[٥] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٣٣- ١٣٥.