التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - ١ - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره
ثمّ صار المعاندون له يقولون مرّة: إنّه شعر، لما رأوه كلاما منظوما. ومرّة سحر، لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف.
وكيف ما كانت الحال ودارت القصّة فقد حصل باعترافهم قولًا، وانقطاعهم عن معارضته فعلًا، أنّه معجز ... وفي ذلك قيام الحجّة وثبوت المعجزة، والحمد للّه.
ثمّ أضاف قائلًا: اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به، الذي إذا أُبدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة ...
ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني، يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، غير أنّ الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكلّ لفظة منها خاصّية تتميّز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها.
فإذ قد عرفت هذه الاصول تبيّنت أنّ القوم إنّما كاعوا وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يؤدهم ويتصعّدهم منه. وقد كانوا بطباعهم يتبيّنون مواضع تلك الامور ويعرفون مايلزمهم من شروطها ومن العهدة فيها، ويعلمون أنّهم لايبلغون شأوها، فتركوا المعارضة لعجزهم، وأقبلوا على المحاربة لجهلهم.
فأمّا المعاني التي تحملها الألفاظ فالأمر في معاناتها أشدّ، لأنّها نتائج العقول وولائد الأفهام وبنات الأفكار.
وقال بصدد الإشادة بشأن النظم: وأمّا رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لأنّها لجام الألفاظ وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض وتقوم له صورة في النفس يتشكّل بها البيان.
وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفناه فقد علم أنّه ليس المفرد بذرب اللسان