التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٥ - دقائق ونكات
الحلف بالتاء
قوله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً».[١]
جملة ألفاظه غريبة، بعيدة عن الاستعمال العام، وقع الاختيار عليها لحكمة هي مقتضى الحال والمقام، فضلًا عن جرس اللفظة في هذا التناسب والوئام.
قال جلالالدين السيوطي: أتى بأغرب ألفاظ القَسَم، وهي التاء، فإنّها أقلّ استعمالًا وأبعد من أفهام العامّة بالنسبة إلى الباء والواو. وبأغرب صيغ الأفعال الناقصة، فإنّ «تزال» أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالًا من «تفتأ». وبأغرب الألفاظ الدالّ على الإشراف على الهلاك «حَرَضا». فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاور كلّ لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة، توخّيا لحسن الجوار، ورغبة في ائتلاف المعاني مع الألفاظ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع، وتتناسب في النظم، فضلًا عن تناسب الغريب في التعبير مع الغريب من حالة نبيّ اللّه يعقوب عليه السلام.[٢]
دقائق ونكات
ذكر جلالالدين السيوطي عن البارزيّ أنّه قال:- في أوّل كتابه «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل»-: اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كلّ واحد من جزئي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح مايلائم الجزء الآخر ... ولابدّ من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثمّ استعمال أنسبها وأفصحها ...
واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال ... وذلك عتيد حاصل في علم اللّه تعالى. فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه. وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح. ولذلك أمثلة:
منها: قوله تعالى: «وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ».[٣] لو قال مكانه: «وثمر الجنتين قريب» لم يقم
[١] - يوسف ٨٥: ١٢.
[٢] - معترك الأقران، ج ١، ص ٣٨٩.
[٣] - الرحمان ٥٤: ٥٥.