التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٨ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
تُحصى، فصنّف كتابا سمّاه «القَعِرَة والشَفِرَة»[١] وآخر سمّاه «مفاخرة الشتاء والصيف» إلى أشباه هذا كثيرة، صعد فيها وصوب، وشرّق وغرّب، وحشاها بما لاحاجة للخلق فيه إلى معرفته. ثمّ لمّا آل الأمر إلى بيان وجه الإعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة، ضمَّ شفتيه ضمّا، وختم على لسانه ختما، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ورضي من الغنيمة بالإياب.[٢]
وإذ صَحَّ أنّ السلف رحمهم اللّه مع تقدّم الخواص منهم في علم البيان، والتبحّر في الإحاطة بحقائق المعاني، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممرّ الأحقاب، لم يشتغلوا ببيان الإعجاز على التفصيل في كلّ آية منه، بل أعرضوا عن ذلك بواحدة مع أنّهم أشاروا إلى ذلك على سبيل الإجمال، والحال لاتخلو إمّا أن يقال خَفي عليهم وجه الإعجاز على التفصيل على هذا الوجه فلم يقِفُوا عليه ولم يهتدوا إليه، أوْ لا.
فإن قيل: خَفي عليهم ولم يقِفوا عليه ولم يجدوا طريقا إليه. فيقال: إذا مؤونة البحث والتنقير عنهم ساقطة، ووجوه العذر لهم في الإعراض عن ذلك ظاهرة.
ولئن لم يخفَ عليهم فَلِمَ لَم يصرفوا معظم همّهم إلى هذا الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فيصنّفوا ويشرحوا كما صنّفوا في فروع الأحكام من الحلال والحرام، وصنّفوا في فروع الكلام، فلم يبق إلّا أن يقال: أحدث في الكلّ منعا منعهم عن ذلك لمصلحة رآها فيه.
فهذه عدّة أسئلة فليتفضّل أدام اللّه علوّه بالإجابة عنها، واللّه يعصمه من الخطأ والزلل، ويوفّقه لإصابة القول والعمل، إنّه على مايشاء قدير. (تمّت).
[١] - إمرأة قعرة وقعيرة: بعيدة الشهوة، عن اللحياني. وقيل: هي التي تجد الغُلمة في قعر فرجها. وقيل: هي التي تريد المبالغة. وقيل: نعت سوء في الجماع.
والشفِرّة والشفيرة من النساء: التي تجد شهوتها في شفرها فيجيء ماؤها سريعا. وقيل: هي التي تقنع من النكاح بأيسره، وهي نقيض القعيرة.
[٢] - مثل سائر، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له، وهو:
وقد طوَّفتُ في الآفاق حتى رضيتُ من الغنيمة بالإياب
يضرب عند القناعة بالسلامة. مجمع الأمثال، ج ١، ص ٢٩٥، رقم ١٥٦٠.