التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٧ - وفرة الاستعارة في القرآن
وليس مجازا في الكلمة، وذلك لأنّه تصرّف في أمر عقلي، على ماسبق في تعريفه لها، أنّه من التوسّع في مفهوم المشبّه به وزعم دخول المشبّه في جنسه. فليس من استعمال لفظة في غير موضعها[١] فهيحقيقة ادّعائية، وهو من لطيف التصرّف في معاني الكلام، ويؤيّده قولهم: في الاستعارة مبالغة ليست في غيرها من أنواع التشبيه.
وفرة الاستعارة في القرآن
تقدّم أنّ التوفّر من الاستعارة في القرآن كان أمرا لابدّ منه، بعد تضايق الألفاظ الموضوعة عن إمكان الإيفاء بمقاصده العليّة، والإفادة بجلّ مطالبه الرفيعة. لكن رأي ابن الأثير في ذلك يختلف عن رأي ابن رشيق. بينما الأوّل يرى قلّة الاستعارة في القرآن، بل وفي سائر الكلام من فصيح الخطب والأشعار، نظرا منه إلى أنّ طيّ المستعار له لا يتيسّر في كلّ كلام، على خلاف التشبيه الذي هو كثير وسهل ...[٢] إذا بابن رشيق يعاكسه في الرأي، ويرى أنّ الاستعارة في القرآن كثيرة ومتوفّرة، وممّا يزيد في جماله وبهائه.
والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى مازعمه ابن الأثير، من كون «التوسّع في الكلام»- الذي هو نوع من الاستعارة- مجازا مرسلًا وليس استعارة!
والتوسّع، اصطلاح منه، يطلقه على ما يسمّونه «الترشيح» وهو نوع من الاستعارة المبتنية على تناسي التشبيه، وهو من أبلغ أنواعها، واعترف هو بأنّه كثير في القرآن.
منها قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ».[٣] زعم أنّه توسّع في الكلام مجازا مرسلًا، لأنّه نسب القول إلى السماء والأَرض[٤] في حين أنّه تشبيه مطويّ، شبّه السماء والأَرض بمن يعقل وينطق، فلذلك نسب إليهما القول. وهو من سمات «العاقل الناطق» المشبّه به.
قال الزمخشري: وهو من المجاز الذي يسمّى التمثيل، ويجوز أن يكون تخييلًا،
[١] - التفتازاني في المطوّل: باب الحقيقة والمجاز ص ٣٥٤.
[٢] - المثل السائر، ج ٢، ص ٩٧.
[٣] - فصّلت ١١: ٤١.
[٤] - المثل السائر، ج ٢، ص ٨١.