التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٩ - إمتاع العقل والنفس معا
وكلّ موجود- في عالم الخلق، وهو ماسوى اللّه- فهو كلمته تعالى. كما أطلق على المسيح عليه السلام كلمة اللّه: «وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ».[١]
والمعنى: أنّه لو جعلت الأشجار أقلاما والأبحر مدادا- ليكتب بها كلمات اللّه- لنفدت الأقلام والمداد قبل أن تنفد كلمات اللّه، لأنّها غير متناهية ... وذلك لأنّ كلماته تعالى إفاضات، ولاينتهي فيضه تعالى إلى أمد محدود أبدا.
٤- وقال تعالى- ردّا على احتجاج اليهود-: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ».[٢]
امتنعت اليهود من اعتناق الإسلام بحجّة أنّهم على طريقة نبيّهم موسى عليه السلام وعلى شريعته، ولذلك لايمكنهم اتّخاذ سيرة اخرى والإيمان بشريعة سواها.
هذا اعتذار زعمت اليهود وجاهته في منابذة الإسلام ... وقد فنّد القرآن هذا التذرّع الكاسد والاحتجاج الفاسد. إذ لامنافرة بين الشريعتين ولامنافاة بين الطريقين، والكلّ يهدف مرمىً واحدا ويرمي هدفا واحدا. وقد جاء الأنبياء جميعا لينيروا الدرب إلى صراط اللّه المستقيم، صراطا واحدا وهدفا واحدا، لاتنافر ولا تنافي ولا تعدّد ولا اختلاف.
والدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يصدّق بأنبياء سالفين وبشرائعهم وكتبهم ومابلّغوا من رسالات اللّه ولو كان هناك تنافٍ وتنافر لما صحّ هذا التصديق.
وقد جاء هذا التصديق بلفظة «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» في ثمانية مواضع من القرآن.[٣]
وبلفظة «مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ» في ثلاثة مواضع.[٤]
وبلفظة «مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ» في ثلاثة مواضع.[٥]
ومن ثمّ قال: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ... فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ ... وَ قُلْ لِلَّذِينَ
[١] - النساء ١٧١: ٤. راجع: الميزان، ج ١٦، ص ٢٤٥.
[٢] - البقرة ٩١: ٢.
[٣] - البقرة ٩٧: ٢؛ آل عمران ٣: ٣؛ المائدة ٤٦: ٥ مرّتين و ٤٨؛ الأنعام ٩٢: ٦؛ فاطر ٣١: ٣٥؛ الأحقاف ٣٠: ٤٦.
[٤] - البقرة ٨٩: ٢ و ٩١ و ١٠١.
[٥] - البقرة ٤١: ٢؛ آل عمران ٨١: ٣؛ النساء ٤٧: ٤.