التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - تناسب الآيات مع بعضها
جاهلية مقيتة لامبرّر لها ... فلمّا وقع سؤالهم عن الأهلّة- وهي مواقيت للنّاس في شؤون حياتهم، وللحجّ بالذات، ولم يكن كبير فائدة في مثل هذا السؤال- استغلّه تعالى فرصة مناسبة للتعرّض إلى موضوع أهمّ، كان الأجدر هو السؤال عنه، بغية تركه ... على عكس ما كانوا يرونه برّا، وهو عملٌ تافهٌ مستقبح.[١]
**** وقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وعقّبه بقوله: «وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ».[٢] فقد يقال: أيّ رابط بين حادث الإسراء وإتيان موسى الكتاب والتعرّض لحياة بني إسرائيل؟!
وهو أيضا من الاستطراد البديع. كان المقصود الأقصى تذكير بني إسرائيل بسوء تصرّفاتهم في الحياة، وهم في أشرف بقاع الأرض، وفي متناولهم أفضل وسائل الهداية.
فبدأ بالكلام عن الإسراء من مكة المكرمة إلى القدس الشريف، وبذلك ناسب الكلام عن هتك هذا الحريم المقدّس على يد أبنائه والذين فضّلوا بالتشرّف فيه، تأنيبا وليتذكّروا.
وهو من حسن المدخل ولطف المستهلّ من أروع البديع.
**** وقوله تعالى: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ».[٣] إذ لاتناسب لها ظاهرا مع سياق السورة الواردة في أحوال القيامة وأهوالها. قال جلالالدين السيوطي: وجه مناسبتها لأوّل السورة وآخرها عسر جدّا.[٤]
وفي تفسير الرازي وجوه لبيان التناسب. وقد تعسّف فيها، وبهت قدماء الإمامية أنّهم قالوا بأنّ القرآن قد غُيّر وبُدّل وزيد فيه ونقص عنه، والآية من ذلك.[٥]
لكن نزول القرآن منجّما وفي فترات متلاحقة يدفع الإشكال برأسه. ولا موجب لارتكاب التأويل، ولا سيّما مع هذا التعسّف الباهت الذي ارتكبه شيخ المتشكّكين.
[١] - الكشاف، ج ١، ص ٢٣٤ نقلًا بالمعنى.
[٢] - الإسراء ١: ١٧- ٢.
[٣] - القيامة ١٦: ٧٥.
[٤] - الإتقان، ج ٣، ص ٣٢٨.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ٢٢٢.