التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - فواصل خفي وجه تناسبها
المعنى بدونها. مأخوذ من أوغل في البلاد: إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها[١] وهو بمنزلة التأكيد المبالغ فيه.
* كقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ».[٢] فقد تمّ الكلام عند قوله: «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» لكنّه أوغل في تفضيع حالتهم، وأفاد زيادة المبالغة في ضلالتهم، حيث كان عدم الاسترباح مستندا إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة، ومن ثمّ استبدلوا بالخير شرّا وبالصلاح فسادا.
* وقوله تعالى: «قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ».[٣] حيث قد تمّ المعنى بدون «وَ هُمْ مُهْتَدُونَ» إذ الرسل مهتدون لامحالة. لكنّه إيغالٌ أفاد زيادة الحثّ على الاتّباع والترغيب في الرسل. وأنّ متابعتهم لاتستدعي خسرانا أبدا.
* وقوله تعالى: «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ».[٤] قال الزركشي: قد تمّ الكلام بدون قوله: «لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»، غير أنّ رعاية الفواصل أفادت زيادة معنى، هو: أنّ أهل اليقين هم الذين يُدركون محاسن أحكامه تعالى، إذ لايحجب أبصارهم ستارُ الجاهلية والعناد.
* وقوله تعالى: «وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ».[٥] فقد تمّ المقصود بدون «إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» لولا أنّه أفاد المبالغة في عدم إمكان الإسماع، لأنّ الأصمّ إذا ولّى مدبرا كان أبلغ في تغافله وإعراضه عن الانصياع للدعوة.
فواصل خفيَ وجهُ تناسبها
* من ذلك قوله تعالى: «قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ».[٦]
[١] - أنوار الربيع، ج ٥، ص ٣٣٣.
[٢] - البقرة ١٦: ٢.
[٣] - يس ٢٠: ٣٦- ٢١.
[٤] - المائدة ٥٠: ٥.
[٥] - النمل ٨٠: ٢٧.
[٦] - هود ٨٧: ١١.