التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - الاستعارة في مدارج البلاغة
فكلّما كان التشبيه أدقّ وأعمق كانت الاستعارة أرق وأرقى. وهي ترتقي من الضعف إلى القوّة ثمّ بما يزيد في ارتقائها.
فأوّل هذه الضروب أن يكون وجه الشبه موجودا في كلا الطرفين، لكن مع خصائص ومزايا ومراتب في الفضيلة أو الكمال، فتستعير لفظ الأفضل لما هو دونه. ومثاله: استعارة الطيران لغير ذي جناح، مرادا به السرعة. كما جاء في الحديث، «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه، كلّما سمع هيعة طار إليها» والهيعة: صوت الفزع. فشبّه سرعة الحركة بطيران الطير، واستعير لها لفظه.
وكذا انقضاض الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علوّ. والسباحة له إذا عدا عدوا شبيها بحالة السباحة في لين وسلاسة، ومعلوم أنّ الطيران والانقضاض والسباحة والعدو كلّها جنس واحد من حيث الحركة، إلّا أنّهم نظروا إلى خصائص الأشياء في حركتها، فأفردوا كلّ حركة في نوعها باسم، وإذا وجدوا في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه استعاروا له العبارة من ذلك الجنس.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: «وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ»،[١] أي وفرّقناهم. والتمزيق تفريق بين قطع الثوب، فاستعير لمطلق التفريق. ومثله أيضا قوله تعالى: «وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً».[٢] أي فرّقناهم فيها، تشبيها بتقطيع الثوب وتفريق أجزائه.[٣]
ومنه عند السكاكي قوله تعالى: «وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً»[٤] شبّه الشيب بشواظ النار، في توقّده وإنارته. وشبّه انتشاره وانبساطه في الشَّعر باشتعال النار، فأخرج مخرج الاستعارة.
قال الزمخشري: ومن ثمّ فَصُحَت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة.[٥]
وضربٌ ثانٍ يشبه هذا الضرب، غير أنّ الشبه في صفة هي موجودة في كلّ من المستعار منه والمستعار له على حقيقتها، سوى أنّها في المستعار منه أكمل وأجلى، كما
[١] - سبأ ١٩: ٣٤.
[٢] - الأعراف ١٦٨: ٧.
[٣] - أسرار البلاغة، ص ٤١- ٤٤.
[٤] - مريم ٤: ١٩.
[٥] - الكشّاف، ج ٣، ص ٤؛ ومفتاح العلوم، ص ١٨٣.