التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٩ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
أو رسالة نادرة، أو تحدّي بخطبة أو رسالة غرّاء، فعارض بقصيدة حذّاء،[١] لم يكن على شاكلة التحدّي عاملا، و نسب إلى قلّة التهدّي عاجلا، و تمثّل له بقوله:
|
شكونا إليه خراب السواد |
فحرّم فينا لحوم البقر |
|
|
فكنّا كما قال من قبلنا |
اريها السّها[٢] و تريني القمر[٣] |
|
ذلك أنّ الشعر كلام ذو وزن و قريّ،[٤] وقافية و رويّ، أكثره تمويهات و تخاييل، و أكاذيب و أباطيل، و من ثمّ سمّوه سحرا، و زعموا أن لكلّ شاعر جنّيّا، و أنّه معه رئيّا، و أنّ ذلك الجنّي يخطره بجنانه، و يلقّنه إيّاه و يلقيه على لسانه.
و الخطب و الرسائل لا يمسّ طنب القريض أطنابها، و لا تقرع يده أبوابها، و السورة أبعد شوطا منها في التميّز، و أعلى فوقا في المباينة و التحيّز، بديباجتها الخاصّة و ذوقها، و ندائها على أن لا منظوم بطوقها، و على أنّها ليست من القريحة، المعتصر لها ثرى السجيحة،[٥] المستعان فيه بالرويّة و الفكر، المستملى من لسان الزّكن[٦] و الحجر،[٧] و أنّ مثلها معه مثل الحيوان الذي هو تسوية اللّه و تقديره، مع التماثيل التي هي نقش المصوّر و تصويره، عليها ضياء الجلالة الربّانية، و سيمياء[٨] الكتب السماوية، و ابّهة المسطور في اللّوح المنزل في اللّوح،[٩] و آئين[١٠] الملقن منه و هو لسان الروح، كأنّك إذا قرأتها مشاهد
[١] - الحذو: من أجزاء القافية، حركة الحرف الذي قبل الردف، يجوز ضمّته مع كسرته و لا يجوز مع الفتح غيره، قاله ابن منظور عن ابن سيده.
[٢] - السّها: كويكب صغير خفيّ الضوء في بنات نعش الكبرى، و الناس يمتحنون به أبصارهم.
[٣] - مثل سائره ذكره الميداني في مجمع الأمثال، ج ١، ص ٢٩١، رقم ١٥٤٥ تحت عنوان« أريها استها و تريني القمر» و ذكر قصته، و قال: و بعضهم يرويه« أريها السّها و تريني القمر»، يضرب لمن يغلط فيما لا يخفى.
[٤] - قال الزمخشري و غيره: أقراء الشعر: قوافيه التي يختم بها، كأقراء الطهر التي ينقطع عندها، الواحد قرة، و قرء، و قريّ، لأنّها مقاطع الأبيات و حدودها.
[٥] - السجيحة: الطبيعة.
[٦] - الزكن و الإزكان: القطنة و الحدس الصادق.
[٧] - الحجر: العقل و اللب، لإمساكه و منعه و إحاطته بالتمييز، و في التنزيل:« هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ». الفجر ٨٩: ٥.
[٨] - السومة و السيعة و السيماء و السيمياء: العلامة.
[٩] - اللّوح الأول- بالفتح-: هو اللّوح المحفوظ، و الثاني- بالضم-: الهواء. لسان العرب، مادة« لوح»، ج ٢، ص ٥٨٥.
[١٠] - آئين: كلمة فارسية بمعنى الزينة، استعملها الجاحظ في البخلاء في قصة محمّد بن أبي المؤمل فيما حكاه عن لسانه:-