التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٣ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
الإثرة والتقديم، ووضع في يديه من نواصي التفضيل والتكريم، والثواب الذي لم يعرف إلّا هو كنهه، ولم يعط إلّا الملك شبهه، ومن جملة الكوثر ما اختصّه به من النهر الذي حاله المسك،[١] ورَضراضهُ التُّوم،[٢] وعلى حافّاته من أواني الذهب والفضّة ما لايعادّه النجوم.
ثمّ تبصّر كيف نكت في كلّ شيء تنكيتا، يترك المنطيق سكيتا، حيث بنى الفعل على المبتدأ فدلّ على الخصوصية، وجمع ضمير المتكلّم فأذن بعظم الربوبية، وصدّر الجملة المؤخّرة على المخاطب أعظم القِسم، بحرف التأكيد الجاري مجرى القَسم، ماورد الفعل بلفظ الماضي، على أنّ الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة، دون عطاء الآجلة، دلالة على أنّ المتوقّع من سَيْب[٣] الكريم في حكم الواقع، والمترقّب من نعمائه بمنزلة الثابت الناقع. وجاء بالكوثر محذوف الموصوف، لأنّ المثبت ليس فيه ما في المحذوف، من فرط الإبهام والشياع، والتناول على طريق الاتّساع، واختار الصفة المؤذنة بإفراط الكثرة، المترجمة عنالمعطيات الدثرة، ثمّ بهذه الصفة، مُصدّرة باللام المعرفة، لتكون لما يوصف بها شاملة، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة.
وعقّب ذلك بفاء التعقيب، مستعارة لمعنى التسبيب، يشتقّها معنيان، صحّ تسبيب الإنعام بالعطاء الأكثر، للقيام بما يضاهيه من الشكر الأوفر، وتسليمه لترك المبالاة بقول ابن وائل، وامتثال قول اللّه عزّ من قائل، وقصد باللامين[٤] التعريف بدين العاص وأشباهه، ممّن كانت عبادته ونحره لغير إلهه، وتثبيت قدمي رسولاللّه على صراطه المستقيم، وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم، وأشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات، وصِنْفَي الطاعات، أعني الأعمال البدنية التي الصلاة إمامها، والمالية التي نحر البدن سنامها، ونبّه على مالرسول اللّه من الاختصاص بالصلاة التي جعلت لعينه قرّة،[٥] وبنحر البدن التي كانت
[١] - حالُه المسك: أي طينه المسك.
[٢] - الرضراض: الحصى الصغار، والتوم: الدرّ.
[٣] - السيب: العطاء.
[٤] - أي: بلام« لِرَبِّكَ»، واللام المحذوفة في قوله« وَ انْحَرْ» أي: وانحر له، كما سيصرّح بذلك.
[٥] - إشارة إلى قوله صلى الله عليه و آله:« حبّب إليّ من الدنيا ثلاث: النساء، والطيب، وجُعِل قرّة عيني في الصلاة». الخصال، ص ١٦٥، رقم ٢١٧ و ٢١٨.