التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - البحث الأول بالإضافة إلى موقعها من علم البيان
لاح لهم وميضٌ من برق إشارته كان المشار إليه مقدّما، وكلّما توهّموا ورود أمره كان ذلك الأمر بسرعة الامتثال مكمّلًا متمّما، فلا يتلقّون إشاراته بغير الامتثال، ولايُقابلون أوامره بغير الانقياد، فسبحان من شملت قدرته جميع الممكنات تكوينا وإيجادا، وأحاط بكلّ المعلومات إحكاما وإتقانا، فهذا تقرير نظم الكلام وتأليفه.
ثمّ إنّا نُعطفُ على بيان روابط المجاز وعلائقه في الآية، فقال عَزّ من قائل: «قيل» على جهة المجاز عن الإرادة، ثمّ إنّه حذف الفاعل وجعله في طيِّ الفعل، إبهاما وإعظاما لحاله عن الذكر عند عروض أمر هذه المكوّنات على جهة الذُّلِّ والتسخير، ثمّ جعل قرينة المجاز مخاطبته للجمادات كما في قوله تعالى: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» «يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ و يا سَماءُ أَقْلِعِي» على جهة التشبيه لمّا جُعلا بمنزلة من عقلَ الأَمر وفهم عِظم الاستيلاء، ثمّ استعار لفور الماء في الأَرض اسم البلع الذي يُطلق على القوّة الجاذبة للمطعوم، لانعِقاد الشبه بينهما، وهو الإذهاب إلى مقرّ خفيّ، ثمّ استعار الماء للغذاء على جهة الكناية، تشبيها له بالغذاء، لأنّ الأَرض لمّا كانت تتقوّى بالماء في الإنبات للزرع والأشجار والثمار، تقوّي الآكل بالطعام، وجعلَ القرينة الدالّة على الاستعارة في لفظ «ابلعي» هو كونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثمّ إنّه وجّه الخطاب لها بالأمر على جهة الاستعارة لما ذكرناه من التنبيه المتقدّم، حيث نزّلها منزلة العُقلاء الذين تَسربلوا سرابيل المهابة، وتلفّعوا بأردية التذلّل منقادين في حكمة القهر عليهم بُؤس الاستكانة، وضرع الاستسلام والذلّة، وخاطب بالأمر ترشيحا للاستعارة في النداء.
ثمّ قال: «ماءك» مُضيفا الماء إلى الأَرض على جهة الاستعارة، لما لها به من الاختصاص، وجعل الإضافة باللام تشبيها للأَرض بالمالك، حيث كانت متصرّفة فيه بالابتلاع والذهاب فيه وانتفاعها به.
ثمّ إنّه قدّم الأَرض على السماء لأوجه خمسة: أمّا (أوَّلًا) فَلما للخلق من الانتفاع بالأَرض بالاستقرار وكونها بساطا لهم. وأمّا (ثانيا) فلأنّها لما كانت مَقَرّا للسفينة التي