التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - الحروف المقطعة في مختلف الآراء
وهكذا سورة «ص» اشتملت على عدة خصومات جاءت في السورة. فأوّلها خصومة الكفار مع النبيّ، ثمّ اختصام الخصمين عند داود، ثمّ تخاصم أهل النار، ثمّ اختصام الملأ الأعلى في العلم، ثمّ تخاصم إبليس.
وكذلك سورة القلم، فواصلها على النون واشتمالها على كلمات نونية كثيرة.
قال: وكذا السوَر المفتتحة بحرفين أو أكثر، فإنّ له رابطا مع كلمات السورة بالذات.
هذا من جهة اللفظ، ولعلّ في طيّها أسرارا عظيمة يعلمها الربّانيون.[١]
قال جلالالدين السيوطي: إنّ كلّ سورة بدئت بحرف من هذه الحروف فإنّ أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحقّ لكلّ سورة منها أن لايناسبها غير الوارد فيها. فلو وضع «ق» موضع «ن» لم يمكن. وسورة «ق» بُدئت به لما تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف.
وهكذا قد تكرّرت الراء في سورة يونس، من الكلام الواقع فيها إلى ماءتي كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت بالراء، وسورة الأعراف زيد فيها «ص» على «الم» لنفس السبب.[٢]
الحروف المقطّعة في مختلف الآراء
اختلفت الأنظار عن الحروف المقطّعة في أوائل السور، وربما بلغت عشرين قولًا أو تزيد، حسبما أحصاه الإمام الرازي في تفسيره الكبير. سوى أنّ الاتجاهات الرئيسية التي سلكتها تلكم الأقوال تعتمد على المباني الثلاثة التالية:
١- اعتقاد أنّها من المتشابه المجهول تماما، علم مستور، وسرّ محجوب، استأثر اللّه به. فقد حُكي عن الشعبي- هو أبو عمرو عامر بن شراحيل، التابعيّ الشهير، (ت ١٠٤) أنّه قال: نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى اللّه.[٣]
وقد أنكر أهل الكلام هذا الاعتقاد لو اريد به الجهل المطلق، حتى على مثل رسولاللّه صلى الله عليه و آله وسائر امناء الوحي. إذ كيف يرد في الكتاب المبين ما يكاد يخفى على الخافقين. وقد قال تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا
[١] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ١٦٧- ١٦٩.
[٢] - معترك الأقران، ج ١، ص ٧١.
[٣] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ١٧٣.