التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٢ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
في لحن متنوّع ونغم متجدّد، ينتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل.[١] على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كلّ وتر من أوتار القلب نصيبه بسواء فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده ملال أو سأم، بل لايفتأ يطلب منه المزيد.
وأحيانا كانت العرب تعمد إلى مايقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنّها كانت تذهب مذهب الإسراف والاستهواء المملّ في الأغلب، ولاسيما عند التكرير. أمّا في منثور كلامها، سواء المرسل منه أو المسجوع فلم تكن عَهِدته قطّ ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة والمرونة والعذوبة التي في القرآن الكريم. بل ربما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه، بما لايمكن معها من إجادة ترتيله، إلّا بتعمّل يبدو عليه أثر التكلّف والتعسّف، الأمر الذي كان يحطّ من شأن الكلام.
فلا عجب إذا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن- في خيال العرب- أنّه شعر، وإذا لم يكن بشعر فهو سحر. وهذا يكشف عن مدى بهر العرب وحيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المنضّد البديع، كان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومتعته!!
قال الاستاذ دراز: ويجد الإنسان لذّة بل وتعتريه نشوة إذا ماطرق سمعه جواهر حروف القرآن، خارجة من مخارجها الشحيحة، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النَفَس، وآخر يحتبس عنده النَفَس. فترى الجمال النغمي ماثلًا بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنّها مؤتلفة لاكركرة ولاثرثرة، ولا رخاوة ولامعاظلة، ولاتناكر ولا تنافر، وهكذا ترى كلاما ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر. بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا، مزيجا كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين.
نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي، وليس الشأن في هذا الغلاف
[١] - من مصطلحات الأفنان الموسيقية:« الحرف المتحرّك إذا تلاه حرف ساكن، يقال له: سببٌ خفيف. والحرفان المتحرّكان لايتلوهما ساكن: سببٌ ثقيل. والمتحرّكان يتلوهما ساكن: وتدٌ مجموع. وإذا توسّطهما ساكن: وتدٌ مفروق. وثلاثة أحرف متحرّكة: فاصلة صغيرة. وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن: فاصلةٌ كبيرة» وهكذا ... النبأ العظيم، ص ٩٥.
ولعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا!