التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - نماذج من فوارق اللغة
واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأمّا إذا اريد بالثاني ما اريد بالأوّل فعطف أحدهما على الآخر خطأ. قال الشاعر:
|
أمرتك الخير فافعل ما امرت به |
فقد تركتك ذا مال وذا نشب |
|
قال المبرّد: المال إذا لم يقيّد فإنّما يعنى به الصامت، وأمّا النشب فهو ما ينشب ويثبت من العقارات، فقد اختلفا.
وكذلك قول الحطيئة:
|
ألا حبّذا هند وأرض بها هند |
وهند أتى من دونها النأي والبُعد |
|
وذلك أنّ النأي يكون لما ذهب عنك إلى حيث بلغ، وأدنى ذلك أن يقال له: نأى.
والبُعد تحقيق التروّح والذهاب إلى الموضع السحيق. وتقدير الشعر: أتى من دونها النأي الذي يكون أول البُعد، والبُعد الذي يكاد يبلغ الغاية.
قال أبوهلال: والذي قاله المبرّد هاهنا في العطف يدلّ على أنّ جميع ما جاء في القرآن وعن العرب من لفظين جاريين مجرى ماذكرنا، من العقل واللبّ، والمعرفة والعلم، والكسب والجرح، والعمل والفعل، معطوفا أحدهما على الآخر. فإنّما جاز هذا فيهما لما بينهما من الفرق في المعنى.
ولا يجوز أن يكون فَعَلَ وأفْعَلَ بمعنى واحد، كما لايكونان على بناء واحد، إلّا أن يجيء ذلك في لغتين، فأمّا في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد، كما ظنّ كثير من النحويين واللغويين. وإنّما سمعوا العرب تتكلّم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة وعلى ماجرت به عاداتها وتعارفها، ولم يعرف السامعون تلك العلل والفروق، فظنّوا ما ظنّوه من ذلك وتأوّلوا على العرب ما لايجوز في الحكمة ... و قال المحقّقون من أهل العربية: لايجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين ومعناهما واحد.
قالوا: فإذا كان الرجل عدة للشيء قيل فيه «مِفْعلَ» مثل مِرحم ومحرب، وإذا كان قويّا على الفعل قيل «فَعُول» مثل صبور وشكور. وإذا فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل «فعّال» مثل علّام وصبّار. وإذا كان ذلك عادة له قيل «مِفْعال» مثل معوان ومعطاء ومهداء.