التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - الموسيقى الباطنة للقرآن
نسيج وحده، بلا شبيه- من قبل أو من بعد- كلّ ذلك يتمّ في يسر شديد، لايبدو فيه أثر اعتمال وافتعال واعتساف، وإنّما تسيل الكلمات في بساطة شديدة لتدخل القلب فتثير ذلك الإحساس الغامض بالخشوع، من قبل أن يتيقّظ العقل فيحلّل ويفكّر ويتأمّل، مجرّد قرع الكلمة للُاذن وملامستها للقلب، تثير ذلك الشيء الذي لانجد له تفسيرا.
هذه الصفة في العبارة القرآنية إلى جانب كلّ الصفات الاخرى مجتمعة، هي التي تجعل من القرآن ظاهرة لاتفسير لها فيما نعرف من مصادر الكلام المألوف.[١]
الموسيقى الباطنة للقرآن
هناك الفرق كبير بين «الموسيقى الظاهرة» المنتشية من تقفية اللفظ وتسجيعه، ومن تشطير الكلام على أشطار متساوية، وأوزان وبحور مصطنعة. كلّها قشور وقوالب لفظية مجرّدة، و «الموسيقى الباطنة» التي يبعثها جلالُ التعبير وابّهة البيان، الفائضة من صميم الكلام ومن سرّ خُلده.
إنّه جمالُ اللفظ ملتئما مع فخامة المعنى، فتآلفا فكانت وليدتُهما تلك النغمة التي تهزّ المشاعر، وتلك النسمة التي تُثير الأحاسيس. ومن ثمَّ فإنّها تُؤثّر إلى الأعماق.
وللُاستاذ مصطفى محمود محاولة في بيان هذا السرّ العجيب للمعمار القرآني، الجديد في سبكه، الفريد في اسلوبه ... قائلًا:
«وهذا سرٌّ من أعمق الأسرار في التركيب القرآني، إنّه ليس بالشعر ولا بالنثر ولا بالكلام المسجوع، وإنّما هو معمار خاصّ من الألفاظ صفّت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنة فيها.
وفرق كبير بين الموسيقى الباطنة والموسيقى الظاهرة.
وكمثل نأخذ بيتا لشاعر مثل عمر بن أبيربيعة اشتهر بالموسيقى في شعره، البيت الذي ينشد فيه:
[١] - محاولة لفهم عصري للقرآن لمصطفى محمود، ص ٢٤٥- ٢٤٧.