التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - ١ - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره
معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولاتكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم.
وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأُمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لاترى شيئا من الألفاظ أفصح ولاأجزل ولاأعذب من ألفاظه، ولاترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاؤما وتشاكلًا من نظمه.
وأمّا المعاني فلا خفاء- على ذي عقل- أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها والترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه، فلم توجد إلّا فيكلام العليم القدير، الذي أحاط بكلّ شيء علما وأحصى كلّ شيء عددا.
فتفهّم الآن واعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعاني، من توحيد له عزّت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لايرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه. مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات اللّه بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم مادعا إليه، وأنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الامور والجمع بين شتاتها حتى تنتظم و تتّسق أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولاتبلغه قُدَرهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله.