التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٠ - ٣ - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته
ومن الألفاظ لفظة «الآجر» وليس فيها من خفّة التركيب إلّا الهمزة وسائرها نافر متقلقل، ولفظ مرادفها «القرمد» وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، أمّا القرآن فلم يستعملهما ولكنّه اخرج معناهما بألطف عبارة وأرقّها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف، وذلك في قوله تعالى: «وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً».[١] فعبّر عن الآجر بقوله: «فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ» وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله «فأوقد» ومايتلوها من رقّة اللام، فإنّها في أثناء التلاوة ممّا لايطاق أن يعبّر عن حسنه وكأنّما تنتزع النفس انتزاعا.
وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ماترمي إليه إعجاز آخر، فإنّها تحقّر من شأن فرعون وتصف ضلاله وتسفّه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسباب، أسباب السماوات فيطّلع إلى إله موسى،[٢] وهو لايجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سُلّما، إلّا شيئا يصنعه هامان من الطين.[٣]
[١] - القصص ٣٨: ٢٨.
[٢] - إشارة إلى الآية: ٣٧ من سورة غافر.
[٣] - اقتضاب عاجل من إعجاز القرآن للرافعي، ص ٢٢٨- ٢٣٤.