التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً»[١] لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة. ومثل «وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً»[٢] لتفظيع الغيبة، حتّى لكأنّما يأكل الأخ لحم أخيه الميّت وقد مرّ الكلام عن وجه هذا التشبيه.
ثمّ لمّا كان هذا التجسيم خطة عامّة، صوّر الحساب في الآخرة كما لو كان وزنا مجسّما للحسنات والسيّئات: «وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ».[٣] «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ... وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ».[٤] «وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها».[٥] «وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا».[٦] «وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً».[٧] وكلّ ذلك تمشّيا مع تجسيم الميزان.
*** وكثيرا ما يجتمع التخييل والتجسيم في المثال الواحد في القرآن، فيصوّر المعنويّ المجرّد جسما محسوسا، ويخيّل حركة لهذا الجسم أو حوله من إشعاع التعبير. وفي الأمثلة السابقة نماذج من هذا، وإليك أمثلة جديدة، وفي القرآن وفرة منها:
* من ذلك: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ»[٨] «وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ»[٩] «وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ».[١٠] «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ».[١١] «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ».[١٢]
فكأنّما الحقّ قذيفة خاطفة تصيب الباطل فتزهقه. وكأنّما الرعب قذيفة سريعة تنفذ في القلوب لفورها. وكأنّما العداوة والبغضاء مادّة ثقيلة، تلقى بينهم، فتبقى إلى يوم القيامة.
وكأنّما السكينة مادّة مثبتة تنزل على رسولاللّه وعلى المؤمنين. وكأنّما للذلّ جناح يخفض من الرحمة بالوالدين.
[١] - طاقات حلّ فتلها. سورة النحل ٩٢: ١٦.
[٢] - الحجرات ١٢: ٤٩.
[٣] - الأنبياء ٤٧: ٢١.
[٤] - القارعة ٦: ١٠١ و ٨.
[٥] - الأنبياء ٤٧: ٢١.
[٦] - الإسراء ٧١: ١٧.
[٧] - النساء ١٢٤: ٤.
[٨] - الأنبياء ١٨: ٢١.
[٩] - الأحزاب ٢٦: ٣٣.
[١٠] - المائدة ٦٤: ٥.
[١١] - التوبة ٢٦: ٩.
[١٢] - الإسراء ٢٤: ١٧.