التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٦ - المقصد الأول في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء وتحقيق ما هو المراد
جارية مارّة قدّامه لم يسمع مثله قط، فالتمس منها التعلّم فأبت، فأعطاها ثلاث دراهم وتعلّم منها. فلمّا ورد بغداد وأدرك حضرة الرشيد وتغنّى بما تعلّم منها أعطاه ألف دينار والتمس منه الإعادة، فلمّا تغنّى به ثانيا أعطاه أيضا ألف دينار، ثمّ قال له: تغنّ بما أحسنت، فتغنّى طول الليل بالتركيبات والأصوات المخترعة له ولغيره، فلم يعطه شيئا! فقال له الرشيد: آخر الليل قد اتعبت كثيرا فإن لم يكن عليك شاقّا تغنّ بالصوت الأوّل، فتغنّى به فأعطاه أيضا ألف دينار.[١]
وكذا نقل عن صدقة المكنّى بأبي مسكين أنّه تعلّم من جارية سوداء بالمدينة صوتا بأربعة دوانق من فضّة، فلمّا تغنّى به عند الرشيد ابتهج غاية الابتهاج وأعطاه خمسة آلاف دينار.
وأمثال هذه الأخبار أكثر من أن تُحصى.
وبالجملة، شيوع التغنّي بالملهيات من الأصوات بلغ حدّا حتّى صار إطلاق الغناء على هذا الفرد حقيقة عرفية، وهذا يظهر لمن تتبّع التواريخ والسير. فالمراد من الغناء في الأحاديث التي وردت في ذمّه إنّما هو الغناء العرفي- أعني الأصوات الملهية التي يزينها ضرب آلات اللهو والتصدية والرقص-. والمراد منه في الأحاديث التي وردت في إباحته ومدحه إنّما هو الغناء بالمعنى اللغوي. ونبيّنه حقّ التبيين في أثناء ذكر الأحاديث، خصوصا حديث ابنسنان بحيث يرتضيه العاقل المنصف ويقبله الجاهل المتعنّت لظهور شأنه وسطوح برهانه إن شاء اللّه العزيز.
المقصد الأوّل في ذكر الأحاديث الواردة في باب الغناء وتحقيق ما هو المراد
منها: ما رواه علي بنجعفر عن أخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر
[١] - راجع: الأغاني، ج ٦، ص ٣١٨، طبع دار إحياء التراث العربي- بيروت.