التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٦ - ألفاظ وتعابير أم قوامع من حديد؟
إلى نهايتها.
* وتتلو حكاية قول هود: «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ».[١] فتحسّ أنّ كلمة «أَ نُلْزِمُكُمُوها» تصوّر جوّ الإكراه، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق، وشدّ بعضها إلى بعض، كما يدمج الكارهون مع مايكرهون، ويشدّون إليه وهم منه نافرون.
قال سيد قطب: وهكذا يبدو لَونٌ من التناسق- تناسق جرس اللفظ مع نوعيّة المعنى- أعلى من البلاغة الظاهرية، وأرفع من الفصاحة اللفظية، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن.[٢]
* انظر إلى هذا التشبيه البديع: «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ»[٣] اللفظ يصوّر السقوط المرير «خَرَّ مِنَ السَّماءِ» صوت تقطع الأنفاس وحبسها في البلعوم من هول هذا السقوط المفاجىء. ثمّ ماذا بعد؟ «تخطفه الطَّيْرُ» لفوره فيقع فريستها «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ» متقطّع الأشلاء، فلا يهتدي إليه أحد. هكذا وبهذه السرعة الخاطفة يطوى مسرح حياة المشرك باللّه، وبهذه الخاتمة الأليمة.[٤]
«عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ»[٥] هذه الكلمة «عتلّ» في مادّتها وهيأتها (ع: مجهورة مستعلية.
تاء: مهموسة شديدة. ل: مجهورة منذلقة) بضمّتين متعاقبتين وتشديد اللام الأخيرة، تمثّل الغلظة الجافية والانهماك في الشهوات وملاذّ الحياة السفلى، قبل أن تدلّ عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي: الأكول، الجافي، الغليظ.
تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها. ومن ثمّ فقد تعقّبها مايناسبها «زنيم»: اللئيم، الدعيّ، الذي لايبالي بما قال ولابما قيل فيه.
[١] - هود ٢٨: ١١.
[٢] - التصوير الفنّي، ص ٧٢.
[٣] - الحج ٣١: ٢٢.
[٤] - التصوير الفنّي، ص ١٠٣.
[٥] - القلم ١٣: ٦٨.