التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٨ - وفرة الاستعارة في القرآن
و يبنى الأمر فيه على أنّه تعالى كلّم السماء والأَرض، والغرض تصوير أثر قدرته تعالى في المقدورات لاغير.[١]
والتمثيل ضربٌ من الاستعارة المصرّح بها، وهو من تشبيه مركّب بمركّب، مطويّ ذكر المشبّه. والتخييل من الاستعارة، المكنّى عنها الملازمة للترشيح ... وسيأتي شرح هذه المصطلحات.
*** وسبب آخر أقوى ذهب بوهم ابن الأثير لينكر وفرة الاستعارة في القرآن، وهو أنّه خلط بين «التشبيه المضمر في النفس» و «التشبيه المضمر الأداة». في حين أنّ الأول هو أساس الاستعارة بجميع أقسامها، تخييلًا وترشيحا وغيرهما- حسبما يأتي- وأمّا الثاني فهو من التشبيه الصريح، كمالايخفى، وهذا من أكبر خطائه في هذا الباب.
وإليك بعض كلامه بهذا الشأن، قال:
والتشبيه ينقسم قسمين: مظهرا ومضمرا. وفي المضمر إشكال تقدير أداة التشبيه فيه في بعض المواضع، وهو ينقسم أقساما خمسة:
فالأول: يقع موقع المبتدأ والخبر مفردين، كقولنا: زيد أسد. والتقدير: كأسد.
والثاني: يقع موقع المبتدأ والخبر، والخبر جملة مركّبة من مضاف ومضاف إليه، كقول النبيّ صلى الله عليه و آله: «الكمأة جُدري الأَرض» أي الكمأة كالجُدري للأَرض.
والثالث: أن يقعا جملتين، كقوله صلى الله عليه و آله: «وهل يكبّ الناس على منخارهم فينار جهنّم إلّا حصائدُ ألسنتهم» كأنّه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل.
قال: وهذا القسم لايكون المشبّه به مذكورا، بل تذكر صفته، ألاترى أنّ المنجل لم يذكر هاهنا، وإنّما ذكرت صفته وهي الحصد.
قلت: من هاهنا ذهب وهمه إلى غير وجهه، لأنّ هذا من التشبيه المضمر في النفس، شبّهت الألسنة الحداد بمناجل الحصاد تشبيها مضمرا في النفس، ثمّ ذكرت إحدى
[١] - الكشّاف، ج ٤، ص ١٨٩.