التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - أعجب آية باهرة
٢- وأمّا النظر فيها من حيث «علم المعاني»- وهو النظر في فائدة كلّ كلمة منها، وجهة كلّ تقديم وتأخير فيما بين جملها- فذلك أنّه اختير «يا» دون سائر أخواتها، لكونها أكثر في الاستعمال وأنّها دالّة على بُعد المنادى، الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزّة والجبروت، وهو تبعيد المنادى، المؤذن بالتهاون به، ولم يقل «يا أرض» بالكسر، لإمداد التهاون. ولم يقل «يا أيّتها الأرض» لقصد الاختصار، مع الاحتراز عمّا في «أيّتها» من تكلّف التنبيه غير المناسب بالمقام.
واختير لفظ «الأرض» دون سائر أسمائها، لكونه أخفّ وأدور.
واختير لفظ «السماء» لمثل ماتقدّم في الأَرض، مع قصد المطابقة.
واختير لفظ «ابلعي» على «ابتلعي» لكونه أخصر، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين «أقلعي» أوفر.
وقيل «ماءك» بالإفراد دون الجمع، لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبّى عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت، وهو الوجه في إفراد «الأَرض والسماء».
وإنّما لم يقل «ابلعي» بدون المفعول، أن لايستلزم تركه ماليس بمراد، من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهنّ، نظرا إلى مقام ورود الأمر، الذي هو مقام عظمة وكبرياء.
ثمّ إذ بيّن المراد، اختصر الكلام مع «أقلعي» احترازا عن الحشو المستغنى عنه، وهو الوجه في أنْ لم يقل «قيلَ ياأرضُ ابلعي ماءك فبلعت، وياسماء أقلعي فأقلعت».
واختير «غيضَ» على «غيّض» المشدّد، لكونه أخصر.
وقيل «الماء» دون أن يقال «ماء طوفان السماء». وكذا «الأمر» دون أن يقال «أمر نوح» وهو إنجاز ماكان اللّه وعد نوحا من إهلاك قومه، لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك.
ولم يقل «سوّيت على الجودي» بمعنى أقرّت على نحو «قيل» و «غيض» و «قضي» في البناء للمفعول، اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله «وهي تجري بهم في موج» مع قصد الاختصار في اللفظ.