التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨ - نماذج من فوارق اللغة
الموقدة، وعلى الجملة أيّها أوفى بحاجات البيان وأبقى بطراوته على الزمان.
والأمر في هذا الاختيار عسير غير يسير، لأنّ جمال الاختيار كثير الشعب، مختلف الألوان في صور المفردات والتراكيب، والناس ليسوا سواء في استعراض هذه الألوان، فضلًا عن الموازنة بينها، فضلًا عن حسن الاختيار فيها. فربّ رجلين يهتدي أحدهما إلى ماغفل عنه صاحبه، ويغفل كلّ منهما عمّا هدى إليه الآخر، وربّ وجه واحد يفوتك هاهنا يعدل وجهين تحصلهما هناك، أو بالعكس.
فالجديد في لغة القرآن أنّه في كلّ شأن يتناوله من شؤون القول يتخيّر له أشرف المواد، وأمسّها رحما بالمراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج. ويضع كلّ مثقال ذرّة في موضعها الذي هو أحقّ بها وهي أحقّ به، بحيث لايجد المعنى في لفظه إلّا مرآته الناصعة وصورته الكاملة. ولايجد اللفظ في معناه إلّا وطنه الأمين وقراره المكين، لا يوما أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور. فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حولًا. وعلى الجملة يجيئك من هذا الأُسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان.[١]
*** وهكذا قال الخليل بنأحمد الفراهيدي: وأمّا الوصيّة بعد الموت، فالعالي من كلام العرب «أوصى» ...[٢] قلت: وهكذا جاء في القرآن الكريم فيما كانت الوصيّة بالمال![٣]
نماذج من فوارق اللغة
وإذ قد عرفت أنّ من عمدة السبب في الإعجاز البياني للقرآن هو جانب رعايته للمزايا اللغوية، وإحاطته بفوارق الأوضاع إحاطة فاقت طوق البشر وخرجت عن طوع إرادته القصيرة. فكان جديرا أن نلمّ إلمامة عابرة بنماذج من تلك الفوارق اللغوية كشواهد
[١] - النبأ العظيم، ص ٨٢- ٨٤.
[٢] - كتاب العين للخليل بنأحمد، ج ٧، ص ١٧٧.
[٣] - النساء ١١: ٤- ١٢.