التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
لقد قرّ رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين. فلندعهم على قرارهم، ولننظر ماذا يقع الآن في بهمة الليل، حيث يختفون هم، ويخلو منهم المسرح، فماذا يرى النُظّارة؟ هناك مفاجأة تتمّ خلسة، وحركة خفيفة كحركة الأشباح في الظلام «فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ»[١] وهم لايشعرون.
والآن ها هم اولاء يتصايحون مبكّرين، وهم لايدرون ماذا أصاب جنّتهم في الظلام:
«فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ».
ليمسك النُظّارة ألسنتهم فلا ينبّهوا أصحاب الجنّة إلى ما أصاب جنّتهم، وليكتموا ضحكات السخرية التي تكاد تنبعث منهم، وهم يشاهدون أصحاب الجنّة المخدوعين، يتنادون متخافتين خشية أن يدخلها عليهم مسكين، ليكتموا ضحكات السخرية، بل ليطلقوها، فها هي ذي السخرية العظمى: «وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ[٢] قادِرينَ» أجل، إنّهم لَقادرون الآن على المنع والحرمان، حرمان أنفسهم على الأقلّ.
وها هم اولاء يفاجأون بماذا؟ فليضحك النُظّارة كما يشاؤون: «فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ» ماهذه جنّتنا الموقرَة بالثمار، فقد ظللنا إليها الطريق، فلتتأكّدوا ياجماعة «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» وهذا هو الخبر اليقين.
والآن وقد سقط في أيديهم: «قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ» إي واللّه، هلّا سَبّحتم اللّه واتّقيتموه؟ «قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» الآن وبعد فوات الأوان.
وكما يتنصّل كلّ شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة، ويتوجّه باللوم إلى الآخرين، ها هم اولاء كذلك يصنعون: «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ».
ثمّ ها هم اولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعا بالخطيئة، عسى أن يفيدهم الاعترافُ الغفران، ويعوضّهم من الجنَّة الضائعة جنَّة اخرى: «قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ. عَسى رَبُّنا
[١] - كالمقطوعة الثمار.
[٢] - منع وحرمان.