التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٧ - البحث الثالث في بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
أنّ أصل الكلام: وقيل يا أرض ابلعي ماءك، فبلعت ماءها، ويا سماء أقلعي عن إرسال ماءك، فأقلعت عن صبّه، فلا جَرَم حسنُ أن يقال: وغيض الماء النازلُ من السماء والنابعُ من الأَرض.
ثمّ إنّه جلَّ وتقدَّس أتبعه بما هو المهمُّ المقصود من القصَّة، وهو قوله تعالى: «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ» والمعني به أنّه أنجز الموعود من إهلاك الكفّار، ونجاة نوح ومن معه في السفينة، وإخراجهم إلى الأرض، لِما أراد منهم من العبادة وعمارتها، والتناسُل فيها.
ثمّ إنّه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يُريد من الأُمور التابعة للمصلحة.
ثمّ إنّه تعالى ختم القصّة بالدعاء عليهم بالإبعاد، فلمّا كانت القصّة من أوّلها دالّة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق خَتَمَها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد، كما هو موضوع في أساليب التنزيل من حسن الفواتح والخواتم.
البحث الثالث في بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
. اعلم أنّ الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية، وهي خُلاصة علم البيان وصفوة جوهره، ويوصفُ بها المفرد والمركّبُ، وهي أخصُّ من البلاغة، ولهذا يقال: كلُّ بليغ من الكلام فصيحٌ وليس كلُّ فصيح بليغا. ولا يكون الكلام فصيحا إلّا إذا كان مختصّا بصفات ثلاث:
الاولى منها: أن يكون خالصا من تنافر الأحرف في تأليف اللفظة ونظامها، فيَسلمَ من مثل قولنا: «عنْجق» وعن مثل قولك: «هعخع» فإنّ ما هذا حاله مجانبٌ للفصاحة بمعزل عن أساليبها، ولهذا عيب على امرىء القيس قوله: «غدائرُه مُستشزرات إلى العُلى» لما في «مستشزرات» من التنافر المورث للثقل والبشاعة.
الثانية: أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعُنجهانية، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة، وهذا كقولك في الخمر إنّها «الزرحُون» وإنّها «القرقَف» فيُعدُّ هذا من وحشيّ الكلام وغريبه، فما الِفَ كان أدخل في الفصاحة.