التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - نماذج من فوارق اللغة
روي عن البراء بن عازب أنّ أعرابيا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فقال: علّمني عملًا يدخلني الجنة، فقال: اعتق النسمة وفكّ الرقبة، قال: أو ليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها.
فتأمّل كيف رتّب الكلامين واقتضى من كلّ واحد منهما أخصّ البيانين فيما وضع له من المعنى وضمنه من المراد.
وجمع هارون الرشيد سيبويه والكسائي، فألقى سيبويه على الكسائي مسألة، فقال:
هل يجوز قول القائل: كاد الزنبور يكون العقرب فكأنّه إيّاها أو كأنّها إيّاه؟ فجوّزه الكسائي على معنى كأنّه هي أو كأنّها هو. وأباه سيبويه، فأحضر الرشيد جماعة من الأعراب الفصحاء كانوا مقيمين بالباب وسألهم عنها بحضرتهما، فصوّبوا قول سيبويه ولم يجوّزوا ما قاله الكسائي. قيل: وذلك أنّ حرف «إيّا» إنّما يستعمل في موضع النصب، وهي هنا في موضع رفع فلم يجز. ومثل هذا كثير، واستقصاؤه يطول.
قلت: ومن هاهنا تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه حذرا أن يزلّوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين.
هذا مع ما حثّ النبي صلى الله عليه و آله على تعلّم إعراب القرآن وطلب معاني الغريب منه، قال:
أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه.[١]
*** رأينا من المناسب أن نستدرك على البستي بعض مافاته، وليس الغرض الاستيعاب، فهناك فروق ومزايا لغوية يرتفع شأن الكلام برعايتها، ولا سيّما ماجاء في القرآن من تعابير ذوات اختصاص ربما غفل عنها أهل اللسان أنفسهم لدى الاستعمال:
«العلم والمعرفة» قال الراغب: المعرفة والعرفان إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره، وهو أخصّ من العلم، ويضادّه الإنكار. ويقال: فلان يعرف اللّه، ولا يقال: يعلم اللّه، متعدّيا إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر للّه هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته ... ويقال: اللّه
[١] - بيان إعجاز القرآن، ص ٢٩- ٣٤.