التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - هل في القرآن سجع؟
إلّا عرضا فهو عيب ولُكنة، لأنّه تكلّف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة. ومَثَله مَثَل من رصّع تاجا ثمّ ألبسه إنسانا دميما[١] أو نظّم قلادة درٍّ ويواقيت ثمّ ألبسها كلبا عقورا. وقبح ذلك وعيبه بيّن لمن له أدنى فهم.
فمن ذلك مايحكى عن بعض الكهّان: والأرض والسماء، والغراب الواقعة بنقعاء، لقد نفر المجد إلى العشراء.
ومنه مايحكى عن مسيلمة الكذاب: ياضفدع نقّي كم تنقّين، لاالماء تكدرين، ولا النهر تفارقين.
فهذا أغثّ كلام يكون وأسخفه، وقد بيّنا علّته، وهو تكلّف المعاني من أجله، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلّم بها ماكانت!
وفواصل القرآن كلّها بلاغة وحكمة- على ماسبق بيانه- لأنّها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها.
وإنّما اخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة، وذلك أنّه ليس فيه إلّا الأصوات المتشاكلة مع إغفاء المعاني، كماليس في سجع الحمامة إلّا الأصوات المتشاكلة (الهدير)[٢] وهكذا المعنى في السجع، إذا تُكلّف له من غير وجه الحاجة إليه ذاتا، أو ملاحظة الفائدة فيه، لم يعتدّ به، ولم تخرج الكلمات بذلك عن كونها غير ذوات مفهوم، فصارت بمنزلة هدير الحمام، ليس فيه سوى ترجيع أصوات متشاكلة.[٣]
*** ووافقه القاضي أبوبكر محمَّدبن الطيّب الباقلّاني (ت ٤٠٣) تأييدا لمذهب أبي الحسن الأشعري (ت ٣٣٤) في نفي السجع من القرآن.[٤] قال: ذهب أصحابنا (الأشاعرة) كلّهم إلى نفي السجع من القرآن، وذكره أبوالحسن الأشعري في غير موضع من كتبه.
ولكن ذهب كثير من أصحاب الرأى والنظر إلى إثبات السجع في القرآن، قالوا: إنّ
[١] - قبيح السيرة والصورة.
[٢] - يقال: هدر الحمام إذا قرقر وكرّر صوته في حنجرته.
[٣] - النكت في إعجاز القرآن، ص ٩٧- ٩٨.
[٤] - هو عنوان الباب الذي عقده الباقلّاني في كتابه إعجاز القرآن، ج ١، ص ٨٥.