التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - الاستعارة في مدارج البلاغة
في قولك: رأيت شمسا، تريد إنسانا يتهلّل وجهه كرائعة الشمس. وهكذا قولك: رأيت أسدا، تريد رجلًا متّصفا بالشجاعة كالأسد المعروف بها. فرونق الوجه الحسن في حسّ البصر مجانس لتلألؤ ضوء الأجسام النيّرة. وكذا حقيقة الشجاعة التي عمودها انتفاء المخافة عن القلب، فلا يخامره وهنٌ على الإقدام ولاخوف من العدوّ. الأمر الذي يشترك فيه الإنسان الشجاع والأسد اشتراكا في الحقيقة.
وضربٌ ثالث، وهو الصميم الخالص من الاستعارة، وحدّه أن يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية، كاستعارة النور للبيان والحجّة الكاشفة عن الحقّ، المزيلة للشكّ، النافية للريب. كما في قوله تعالى: «وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ»[١] وكاستعارة الصراط المستقيم للدين. إذ ليس بين النور- وهو من صفة الجسم وهو محسوس- وبين الحجّة- وهو كلام- تناسب في حقيقتيهما، إلّا أنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور. وهو شبه ليس على جنس، ولا على طبيعة وغريزة، ولا هيئة وصورة تدخل في الخلقة، وإنّما هو صورة عقلية.
قال: وهذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ الاستعارة عندها غاية شرفها، ويتّسع لها المجال كيف شاءت في تفنّنها وتصرّفها. وهاهنا تخلص لطيفة روحانية، فلا يبصرها إلّا ذوو الأذهان الصافية، والعقول النافذة، والطباع السليمة، والنفوس المستعدّه لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب.
ولها هاهنا أساليب كثيرة، ومسالك دقيقة مختلفة. إلّا أنّ لها اصولًا كما يلي:
أحدها: أن يؤخذ الشبه من المشاهدات والمدركات بالحواس للمعاني المعقولة.
ثانيها: أن يؤخذ الشبه من المحسوس لمثله، إلّا أنّ الشبه عقلي.
ثالثها: أن يؤخذ الشبه من المعقول للمعقول.
مثال الأوّل ماذكرناه من استعارة النور للحجّة والبيان.[٢]
[١] - الأعراف ١٥٧: ٧.
[٢] - أسرار البلاغة، ص ٤٦- ٥٠.