التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٤ - ١٢ - براعة القسم في القرآن
فقال له المبرّد: بل المعاني مختلفة، فقولهم: عبداللّه قائم، إخبار عن قيامه. وقولهم: إنّ عبداللّه قائم، جواب عن سؤال السائل. وقولهم: إنّ عبداللّه لقائم، جواب عن إنكار منكر قيامه.
و أضاف السكّاكي قائلًا: إنّكترى المُفلِقين[١] السحرة[٢] في هذا الفنّ، ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا، وذلك إذا أحلّوا المحيط علما بفائدة الجملة الخبرية وبلازم فائدتها، محلّ الخالي الذهن لاعتبارات خطابيّة، مرجعها تجهيله، بوجوه مختلفة ... و إن شئت فعليك بكلام ربّ العزّة: «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»[٣].
كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم، على سبيل التوكيد القَسَمي،[٤] وآخره ينفي عنهم، حيث لم يعملوا بعلمهم.[٥]
*** و من ظريف فنون البلاغة- هنا- أنّهم قد يقيمون من لا يكون سائلًا مقام من يسأل، فيصوغون الكلام معه صياغة السائل الملحّ، إذا كانوا قد قدّموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى، فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحيّر، يتميّل بين إقدام للتلويح وإحجام، لعدم التصريح، فيخرجون الجملة إليه مصدّرةً ب- «إنّ» ويرون سلوك هذا الاسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وأظرفها!
واستشهد السكّاكي لذلك بما سلكه بشّار[٦] في رائيّته:
|
بَكِّرا صاحِبَيَ قبل الهجير |
إنّ ذاك النجاح في التبكير |
|
[١] - أفلق الشاعر: أتى بالفِلْق أي الأمر العجيب. وأفلق بالأمر: كان حاذقا فيه.
[٢] - من قولهم: إنّ من البيان لسحرا.
[٣] - البقرة ١٠٢: ٢.
[٤] - وذلك حيث قوله« و لقد علموا ...» فإنّه من تقدير القسم بدليل اللام. وسيأتي الكلام عنه.
[٥] - مفتاح العلوم، ٨٠- ٨٢.
[٦] - هو أبو معاذ بشّار بن بُرد العقيلي- ولاءً- كان شاعرا مُجيدا. بصريّ قدم بغداد وكان يمدح المهديّ بن منصور، وأمر بقتله سنة ١٦٨ لما قد بلغه من هجاه وقد بلغ من العمر فوق التسعين.