التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٧ - الاستدراج
كانوا سألوا عن الهلال ماباله يبدو دقيقا ثمّ لايزال يزداد حجما حتى يكتمل بدرا، ثمّ يعود شيئا فشيئا حتى يصير كما بدأ؟ فاجيبوا بما في الآية تنبيها على أنّ الذي ينفعهم وهو أهمُّ بحالهم، ويكون وفق إدراكهم هو هذا، لا الذي سألوه.
وقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ».[١]
سألوا عن الذي ينفقونه، فاجيبوا ببيان مصارف الإنفاق، تنبيها على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ماتيسّر، من أيّ جنس كان. لأنّ النفقة لايعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها. وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو صالح للإنفاق. ومن ثمّ ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ اللّه عليم بذات الصدور.[٢]
الاستدراج
وسمّاه بعضهم «مجاراة الخصم» ليعثر، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته وإلزامه، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه ويقبضه.
قال ابن معصوم: هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال، حيث يُسمعه الحقّ على وجه لايُغضبه.
كقوله تعالى: «لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ»،[٣] لم يقل عمّا تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم واكتفاء بالتعريض فيقوله: «عَمَّا أَجْرَمْنا». لئلّا تأخذهم الحمية الجاهلية والأنفة، وليتفكّروا في حالة أنفسهم وحالة من خالفهم في العمل، إن صلاحا أو فسادا، فيدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما.[٤]
وقد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير، وعقد له بابا استخرجه من كتاب اللّه وشرحه
[١] - البقرة ٢١٥: ٢.
[٢] - راجع: أنوار الربيع، ج ٢، ص ٢٠٩ و ٢١٠.
[٣] - سبأ ٢٥: ٣٤.
[٤] - أنوارالربيع، ج ٦، ص ٦٢- ٦٣.