التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٤ - ٢ - عامية و خاصية
إنّ لبياض الشيب تشعشعا بالنور لدى النظر إليه، شأن كلّ بياض يعكس بالنور المشعّ عليه، فيندفق النور من حوله، كما يفيض الماء من جوانب الإناء، وكما يلتهب شواظ النار عند توقّد الاشتعال. وهكذا ينبسط ضياء المشيب كما ينبسط وهج النار.
إنّه تشبيه، فما أحلاه من تشبيه واستعارة، فما أجملها من استعارة! إنّها غاية في الوفاء وآية في الأداء، ويزيدها بهاءً ووفاءً بكمال المقصود إسناد الاشتعال إلى الرأس، وإخراج الشيب مميّزا، دون إضافته إلى الرأس، إذ لو قال: واشتعل شيب الرأس، لم يفهم منه تجلّل الرأس كلّه شيبا وإنارة، ليكون دليلًا على بلوغ هرمه، فضلًا عن إشعاره بموضع الشبه للاستعارة، فجاءت كاملة على طريقة التجريد أيضا، حسب البيان الآتي.
قال الشيخ عبدالقاهر- بصدد بيان شرف النظم في الكلام-: ومن دقيق ذلك وخفيّه أنّك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى:
«وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلّا إليها، ولم يروا للمزيّة موجبا سواها.
هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة. ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، وذلك أنّا نعلم أنّ «اشْتَعَلَ» للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ. فلو غيّرته وأسندته إلى الشيب وأضفت الشيب إلى الرأس ليكون على حقيقته، وقلت «اشتعل شيب الرأس» أو «الشيب في الرأس»، فهل تجد ذلك الحسن، وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها في الآية؟
والسبب في ذلك أنّ نظم الآية يفيد- مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو الأصل- معنى آخر هو الشمول والشيوع وأخذه في نواحيه، وأنّه قد استقرّ به وعمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء. وهذا المعنى لايكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس. بل لايوجب اللفظ حينئذٍ أكثر من ظهوره فيه في الجملة.
ووزان هذا، أن تقول «اشتعل البيت نارا» أو تقول «اشتعل النار في البيت». فكم