التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٩ - ليست في القرآن زيادة حرف
المسلمون- لا يقدرون على استجلاب فضله تعالى ورحمته. وإذا لم يعلموا ذلك، فلا بدّ أنّهم حينذاك يعرفون مقدرة المسلمين على كسب الفضائل. إذ الذي لا يعلم العدم، فلابدّ أنّه يعلم بالوجود. إثباتا للضدّ بنفي ضدّه.[١]
و هكذا فسّرها شيخنا العلامة البلاغي قال: ولكنّ الصواب قد أخذ بيد جماعة ففهموا من الآيات أنّ «لا» غير زائدة، وأنّ الضمير في «يقدرون» يعود على المؤمنين المخاطبين في الآية المتقدّمة، على نحو الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ويكون قوله تعالى: «وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ» معطوفا على المجرور بلام التعليل في «لئلّا». أي يتفضّل على المؤمنين حقّ الإيمان بالهدى والثروة والشوكة، لكي لا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدر المؤمنون على شَيء من ذلك، ولأنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء.[٢]
و هنا معنى أدقّ ولعلّه أوفق بظاهر الآية:
و هو: أنّ الآية بصدد الردّ على مزعومة الجبر وسلب الاختيار، والّتي كان عليها اليهود والشائع بين الامم الجاهلة حينذاك. حسبوا من الإنسان رهن تقدير الأزل وقد جفّ القلم بما هو كائن. فمن قدّرت له السعادة فهو سعيد، ومن قدّر له الشقاء فهو شقي، ليس بمقدوره شَيء.
قال تعالى- احتجاجا على اليهود والنصارى ولبيان حالتهم التعنّتيّة-: «وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ»[٣]: أي لا موضع فيها لمسارب الهدى. ومن ثمّ ردّ عليهم: «بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ»[٤].
و قال: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ. بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا»[٥].
و قال- عن المشركين المعاندين-: «كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
[١] -. التفسير الكبير، ج ٢٩، ص ٢٤٧- ٢٤٨.
[٢] -. راجع: الهدى إلى دين المصطفى للبلاغي، ج ١، ص ٣٧٧؛ ومقدّمة تفسيره آلاء الرحمان ص ٣٨. بتصرّف.
[٣] -. البقرة ٨٨: ٢.
[٤] -. الآية.
[٥] -. النساء ١٥٥: ٤.