التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - أنحاء الإيجاز بحذف الجمل
شاهدا لموسى عليه السلام وماجرى له وعليه، ولكنّا أوحينا إليك. فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودلّ به على المسبّب الذي هو الوحي، على عادة اختصارات القرآن.
وتقدير الكلام: ولكنّا أنشأنا- منذ انقطاع الوحي بعد موسى- قرونا كثيرة، فتطاول عليهم العمر، أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم واختلّت المعارف بشؤون الأنبياء، ومن جملتها العلم بسيرة موسى عليه السلام، فدعت الحاجة إلى تجديد الوحي ببعث نبيّ جديد، فأرسلناك وعرّفناك العلوم والمعارف. فالمحذوف جملة مقيّدة، وهي جملة مطوّلة، دلّ السبب فيها على المسبّب.
وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ».[١]
فإنّ فيه تقديرا لولاه لم يستقم نظم الكلام. تقديره: ولكن عرّفناك ذلك، وأوحيناه إليك رحمةً من ربّك، لتنذر قوما ... فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله صلى الله عليه و آله إلى الناس، ودلّ بها على المسبّب الذي هو الإرسال.
وممّا حذف فيه الجملة غير التامّة من باب حذف المسبّب لدلالة السبب، قوله تعالى- حكاية عن مريم عليهاالسلام-: «قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا».[٢]
فقوله: «وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً ...» تعليل معلّله محذوف، أي: وإنّما فعلنا ذلك لنجعله آيةً للناس. فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آيةً للناس، ودلّ به على المسبّب الذي هو الفعل.
وأمّا الاكتفاء بالمسبّب عن السبب فكقوله تعالى: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ».[٣] أي: إذا أردت قراءة القرآن فاكتفي بالمسبّب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة.
[١] - القصص ٤٦: ٢٨.
[٢] - مريم ٢٠: ١٩- ٢١.
[٣] - النحل ٩٨: ١٦.