التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
قالوا: إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الاولى هو مايستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد، ذلك العزف بلا آلات وبلاقوافٍ وبلا بحور وبلا أوزان.
حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه- فيما اقتصّ من القرآن-:
«رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا».[١]
أو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّا:
«إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا».[٢]
أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدّث عن خشوع الرسل:
«إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا».[٣]
أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء باللّه يوم القيامة:
«وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً».[٤]
أو ذلك الإيقاع الرحماني الذي يخاطب اللّه به نبيّه محمَّدا صلى الله عليه و آله في موسيقى عذبة تملك شغاف القلب:
«طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى. الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى. وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى».[٥]
أمّا إذا تحوّل القرآن إلى الحديث عن المجرمين وما انزل بهم من عذاب تحوّلت الموسيقى إلى أصوات نحاسية تصكّ الاذن وتحوّلت الكلمة إلى جلاميد صخر وكأنّها
[١] - مريم ٤: ١٩.
[٢] - مريم ٣٠: ١٩- ٣١.
[٣] - مريم ٥٨: ١٩.
[٤] - طه ١١١: ٢٠.
[٥] - طه ١: ٢٠- ٨.