التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٩ - تجسيد المعاني الذهنية
أنحاء من التصوير الفنّي في القرآن
قد أسبقنا الإشارة إلى أنحاء التصوير الفنّي الواقع في القرآن الحكيم، من تجسيد المعاني، أو تجسيم الصفات والأحوال، أو ترسيم النماذج الإنسانية في غرائزه وتصرّفاته، أو تشخيص الحوادث الجارية، أو تمثيل، أو تخييل ... وما إلى ذلك من تصوير السمات والشؤون والذوات.
وقد استوفى «سيد قطب» الكلام حولها، وضرب أمثالها، وشرَحها شرحا وافيا[١] نقتطف منه مايلي:
تجسيد المعاني الذهنية
في القرآن كثير من تمثيلات هي تبرز المعاني الذهنية بصوَر مجسّدة حسّية، قصدا إلى تفظيع حال وتشنيع مآل، أو لتقريب المطلوب إلى مسرح القبول.
* مثلًا، يريد أن يبيّن أنّ الذين كفروا لن ينالوا الفوز لديه تعالى، ولن يدخلوا الجنّة إطلاقا، وأنّه من الأمر المستحيل. هذه هي المعاني الذهنية، لها تعابير كهذه، ولكن اسلوب التصوير يعرضها كالتالي:
«إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ».[٢]
يدعك هذا التصوير ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة اخرى لوُلوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط ويختار من أسماء الحبل اسم «الجمل» خاصّة في هذا المقام تأكيدا لتصوير الغلظة وضخامة حجم الوالج في سمّ الخياط. ويدع للحسّ أن يتأثّر عن طريق الخيال بالصورتين ماشاء له التأثّر، ليستقرّ في النهاية معنى الفوز ومعنى الاستحالة في أعماق النفس، وقد ورد إليها من طريق العين والحسّ تخييلًا.
* ويريد أن يبيّن أنّ اللّه سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبلُ شيئا، وستضيع
[١] - راجع: التصوير الفنّي في القرآن، ص ٣٠- ٦٧.
[٢] - الأعراف ٤٠: ٧.