التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٤ - ٩ - لطيف كنايته وظريف تعريضه
وقد جعل السكاكي التعريض قسما من الكناية، إذ جعلها تعريضا وتلويحا ورمزا وإيماءً وإشارةً. قال: متى كانت الكناية عرضيّة، كقولك: المؤمن لايؤذي أخاه المسلم، تعريضا بمن يتصدّى لإيذاء المؤمنين بأنّه ليس بمؤمن، فهذه كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا.
وإذا لم تكن الكناية عرضية، نظر، فإن كانت مسافة بينها وبين المكنّى عنه مسافة متباعدة لتوسّط لوازم كثيرة كما في «كثير الرماد» وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسبا، لأنّ التلويح هو أن تشير إلى غيرك عن بُعد.
وإن كانت ذات مسافة قريبة بقلّة اللوازم لكن مع نوع خفاء مثل قولهم «عريض القفا» و «عريض الوسادة» كان إطلاق اسم الرمز عليها مناسبا. لأنّ الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية.
وإن كانت لاخفاء فيها كان إطلاق اسم الإيماء والإشارة عليها مناسبا.[١]
ومن لطيف الكناية وحسنها مايأتي بلفظة «مثل» في قولك «مثلك لايبخل» حيث نفيت عنه القبيح بأحسن وجه. لأنّه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عنه لامحالة، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر، وإلّا لم يكونا متماثلين.
وعليه ورد قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[٢] وإن كان اللّه سبحانه لامثل له، لكنّه كناية عن نفي مشابهته لشيء بأبلغ وجه. لأنّ مثله تعالى- فرضا- إذا لم يكن له مثيل فهو تعالى أولى بأن لايكون له نظير.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ».[٣] فإنّه كنّى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسانٍ آخر مثله، ولم يقتصر على ذلك حتى جعله ميّتا، ثمّ جعل ماهو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبّة. قال ابن الأثير: فهذه أربع دلالات واقعة على ماقصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
[١] - مفتاح العلوم، ص ١٩٠ و ١٩٤.
[٢] - الشورى ١١: ٤٢.
[٣] - الحجرات ١٢: ٤٩.