التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٩ - حذف جواب القسم
مواجهة الكلام. وأمّا التوكيد فيتناسب مواضع الشبهة أو الإنكار، فكيف الجمع بينهما، وهما متنافيان؟![١]
لكن الجمع بين أمرين متنافيين في ظاهرهما، بما يوجب التناسق والوفاق، هو من أبدع فنون الطباق في علم البديع، كما في قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ»[٢]. قال ابن المعتزّ[٣]: هو من أملح الطباق وأخفاه على العامّة، لأنّ معنى القصاص القتل، فصار القتل سبب الحياة. وكما في قوله تعالى: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً»[٤].
قال ابن مُنقذ[٥]: هي أخفى مطابقة في القرآن. وقد سمّاه أهل البديع بالطباق الخفيّ، لأنّ الغَرَق من صفات الماء، فكأنّه جمع بين الماء والنار.[٦] وفي القرآن والأدب العربي منه الشيء الكثير، حسبما نذكر.
و هذا فنّ بديع: يجمع في كلام واحد بين أمرين يتنافيان. ولكن في وئام ووفاق.
وهكذا جاءت براعة القسم القرآني مع حذف الجواب، جمعا بين العناية الشديدة بالمقسم عليه، مع العناية بعدم ضرورة ذكره، لمكان وضوحه وظهوره.
قال ابن قيّم الجوزيّة: وأكثر ما يحذف الجواب إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه وهي طريقة القرآن. فإنّ المقصود يحصل بذكر المقسم به. فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز. كقوله تعالى: «ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ»[٧]. فإنّه في القسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنّه «ذوالذكر» المتضمّن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه، وللشرف و القدر، ما يدلّ على المقسم عليه، وهو: كونه حقّا من
[١] -. قال ابن هشام: الجمع بين التوكيد والحذف كالجمع بين المتنافيين، لأنّ الموضوع لتقوية الكلام لا يناسبه الحذف. قال الدسوقي: من حيث إنّ التوكيد يقتضي الاهتمام بالمؤكّد والاعتناء به، وحذفه يقتضي عدم الاعتناء بشأنه فتنافيا. راجع: مغني اللبيب، ج ١، ص ٣٨؛ وحاشية الدسوقي، ج ١، ص ٣٩.
[٢] -. البقرة ١٧٩: ٢.
[٣] -. هو عبداللّه بن محمد المعتز باللّه الخليفة الشاعر صاحب كتاب البديع. ت ٢٩٦.
[٤] -. نوح ٢٥: ٧١.
[٥] -. هو اسامة بن منقذ صاحب كتاب البديع وغيره ت ٥٨٤.
[٦] -. راجع: معترك الأقران، ج ١، ص ٤١٥.
[٧] -. ص ١: ٣٨- ٢.