التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - تناسب الآيات مع بعضها
تناسب الآيات مع بعضها
كان القرآن نزل نجوما، وفي فترات لمناسبات قد يختلف بعضها عن بعض. وكانت كلّ مجموعة من الآيات تنزل لمناسبة تخصّها، تستدعي وجود رابط بينها بالذات، وهو الذي يشكّل سياق الآية في مصطلحهم.
والمناسبة القائمة بين كلّ مجموعة من الآيات ممّا لايكاد يخفى، حتّى ولو كانت هي مناسبة التضاد، كما أفاده الإمام الزركشي في عدّة من السور جاء فيها ذلك ... قال:
وعادة القرآن إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا، ليكون ذلك باعثا على العمل، ثمّ يذكر آيات التوحيد والتنزيه، ليعلم عظم الآمر والناهي. قال: وتأمّل سور البقرة والنساء والمائدة وأمثالها تجده كذلك.[١] هذا ماظهر وجه التناسب فيه.
لكن قد يخفى وجه التناسب فتقع الحاجة إلى تأمّل وتدقيق للوقوف على الجهة الرابطة، لأنّه كلام الحكيم، وقد تحدّى به، فلابدّ أنّه عن حكمة بالغة.
* من ذلك قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها».[٢] فقد يقال: أيّ رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها؟
قيل: إنّه من باب الاستطراد- وهو الانتقال من مقصد إلى آخر لأدنى مناسبة يراه المتكلّم أولى بالقصد- وكأنّه جعل مبدأ كلامه ذريعة لهذا الانتقال، ولكن بلطف وبراعة، وهو من بديع البيان.[٣]
قال الزمخشري: لمّا ذَكر أنّها مواقيت للحج عَمَد إلى التعرّض لمسألة كانت أهمّ بالعلاج، وهي عادة جاهلية كانت بدعة رذيلة، كان أحدهم إذا أحرم لايدخل حائطا ولا دارا ولا فسطاطا، فإن كان من أهل المدر نقب في مؤخّرة بيته فيدخل ويخرج منه. وإن كان من أهل الوبر جعل خلف خبائه مدخله ومخرجه، ولم يدخلوا من الباب ... بدعة
[١] - البرهان للزركشي، ج ١، ص ٤٠.
[٢] - البقرة ١٨٩: ٢.
[٣] - قال الأمير العلوي: عليه أكثر القرآن. الطراز، ج ٣، ص ١٤.