التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠١ - الاقتضاب
تهذيب، مالا يقع في شيء من الكلام. حيث ذكر سبحانه الآباء من الأعلى إلى الأدنى، فابتدأ بذكر آدم الأب الأعلى، وتلاه بذكر نوح الأب الثاني، الذي انتشرت الامم من عقبه، وأتت كافّة البشرمن ذرّيته. ثمّ ذكر بعده إبراهيم أبا الأنبياء والمرسلين. وخصّ من ولده بالذكر آل عمران، ليتخلّص إلى ذكر المسيح ... فسبحان المتكلّم بهذا الكلام!![١]
الاقتضاب
وأمّا الاقتضاب فهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره بلاعلاقة بينه وبينه.
لكن منه مايقرب من التخلّص، ويسمّى «فصل الخطاب».
والذي أجمع عليه المحقّقون من علماء البيان هو قولة «أمّا بعد» كما هو المتعارف، يفتتح الكلام في كلّ أمر ذي بال بذكر اللّه وتحميده والصلاة على نبيّه وآله، فإذا أراد الخروج إلى الغرض المسوق له الكلام فصله بقوله: «أمّا بعد».
ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظة «هذا» تُجعل خاتمة الكلام السابق وفاتحة الكلام اللاحق. وهي العلاقة الوكيدة بين الكلامين، وقد استعملها القرآن على ألطف وجه، كقوله تعالى:
«وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ. إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ. وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ. وَ اذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ. هذا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ... هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ».[٢]
ألا ترى إلى ماذكر قبل «هذا»؟ ذكر مَن ذكر مِن الأنبياء عليهمالسلام وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنَّة وأهلها، فقال: «هذا ذِكْرٌ». ثمّ قال: «وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ». ثمّ لمّا أتمّ ذكر أهل الجنّة وأراد أن يعقّبه بذكر أهل النار قال: «هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ». وذلك من «فصل الخطاب» الذيهو ألطف موقعا من التخلّص.[٣]
[١] - بديع القرآن، ص ١٧٠- ١٧١.
[٢] - ص ٤٥: ٣٨- ٥٥.
[٣] - المثل السائر، ج ٣، ص ١٣٩- ١٤٠.