التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - التخلص والاقتضاب وفصل الخطاب
عهد موسى عليه السلام، فلمّا أراد ذكر نبيّنا صلى الله عليه و آله ذكره بتخلّص انتظم به بعض الكلام ببعض.
ألاترى أنّه قال: قال موسى: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، فاجيب بقوله تعالى: قالَ عذابي اصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للَّذينَ حالهم كذا وكذا، وصفتهم كيت وكيت. وهم الذين يتّبعون الرسول النبيّ الامّي. ثمّ وصفه صلى الله عليه و آله بصفاته ... إلى آخر الكلام.
قال ابن الأثير: ويا للّه العجب كيف يزعم الغانمي أنّ القرآن خالٍ من التخلّص؟! ألم يكفه سورة يوسف عليه السلام فإنّها قصّة برأسها، وهي مضمَّنة شرح حاله مع إخوته من أوّل أمره إلى آخره. وفيها عدّة تخلّصات في الخروج من معنىً إلى معنى، وكذلك إلى آخرها.
ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت. ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة.[١]
*** قال بدرالدين الزركشي- ردّا على مزعومة الغانمي-:
ومن أحسن أمثلته قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... الآية»[٢] فإنّ فيها خمس تخلّصات، وذلك أنّه جاء بصفة النور وتمثيله، ثمّ تخلّص منه إلى ذكر الزجاجة وصفائها، ثمّ رجع إلى ذكر النور والزيت يستمدّ منه، ثمّ تخلّص منه إلى ذكر الشجرة، ثمّ تخلّص من ذكرها إلى صفة الزيت، ثمّ تخلّص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه، ثمّ تخلّص منه إلى نعم اللّه بالهدى على من يشاء.
ومنه قوله: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ... الآية»[٣] فإنّه سبحانه ذكر أولًا عذاب الكفّار وأن لادافع له من اللّه، ثمّ تخلّص إلى قوله: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ ...» بوصف «ذِي الْمَعارِجِ»!
ومنه قوله: «إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُها
[١] - المثل السائر، ج ٣، ص ١٢٨- ١٣٢.
[٢] - النور ٣٥: ٢٤.
[٣] - المعارج ١: ٧٠- ٤.