التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٢ - هل في القرآن لفظة غريبة؟
«العنهجية»[١] ولا يعرفون تقطيع الكلام وتنزيله والتخيّر له، وليس ذلك معدودا في النوع الأفضل من أنواعه، وإنّما المختار منه النمط الأقصد الذي جاء به القرآن، وهو الذي جمع البلاغة والفخامة إلى العذوبة والسهولة.
قال: وقد يُعَدّ من ألفاظ الغريب في نعوت الطويل[٢] نحو من ستين لفظة أكثرها بشع شنع، كالعشنّق والعشنّط والعنطنط، والشوقب والشوذب والسلهب، والقوق والقاق، والطوط والطاط ... فاصطلح أهل البلاغة على نبذها وترك استعمالها في مرسل الكلام، واستعملوا الطويل، وهذا يدلّك على أنّ البلاغة لا تعبأ بالغرابة ولا تعمل بها شيئا.[٣]
وبعد، فالذي جاء منه في القرآن الشيء الكثير، هو الغريب العذب والوحش السائغ، الذي أصبح بفضل استعماله ألوفا، وصار من بعد اصطياده خلوبا. دون البعيد الركيك والمتوغّر النفور، الذي لم يأت منه في القرآن شيء. ممّا جاء في كلام أمثال ذاك النحوي المتكلّف عيسى بن عمر.
والسبب في ازدحام غرائب الألفاظ وعرائس الكلمات في القرآن هو ارتفاع سبكه عن مستوى العامّة الهابط، واعتلاء اسلوبه عن متناول الأجلاف المبتذل.
القرآن اختصّ بإحاطته على عوالي الكلمات الفُصحى، وغوالي العبارات العُليا، لا إعواز في بيانه ولا عجز ولا قصور، الأمر الذي ينبئك عن علم شامل بأوضاع اللغة وكرائم الألفاظ، دليلًا على أنّه من ربّ العالمين المحيط بكلّ شيء. هذا أوّلًا.
وثانيا: احتواؤه لما في لغات القبائل من عرائس الغرائب، كانت معهودة في أقطار اختصّت بوضعها، ومعروفة في أمصار توحّدت في استعمالها، ومن ثَمَّ كانت غريبة في سائر البقاع والبلدان.
[١] - العنهج لغة في العمهج بمعنى الإبل الضخم الطويل. والعنهجية: كناية عن سلوك طرائق وعرة بعيدة المدى، إما تعسّفا أو تفنّنا لالغرض معقول.
[٢] - أي كلّ ذلك ينعت به الطويل بمختلف أطواره، كالعشنّق يوصف به الطويل الذي ليس بضخم ولا مثقّل. والعشنّط: التّار الظريف الحسن الجسم. والشوذب: الطويل الحسن الخلق ... وهكذا.
[٣] - بيان إعجاز القرآن، ص ٣٧.