التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٥ - ٣ - أصلية وتبعية
بينهما من فرق؟
قال: ونظير هذا التنزيل قوله عزّوجلّ: «وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً».[١] التفجير للعيون في المعنى، وأوقع على الأَرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل ماهناك. وذلك أنّه أفاد أنّ الأَرض قد صارت كلّها عيونا، وأنّ الماء يفور من كلّ جوانبها، أمّا لو قلنا: «فجّرنا عيون الأَرض» أو «العيون في الأَرض» لزال هذا المعنى وزالت هذه الروعة في المبالغة القريبة.[٢]
ونظيره في الروعة قوله تعالى- يصف العلاقة الجنسية بأرفع اسلوب وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لاتجد لها مثيلًا ولابديلًا-: «فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ».[٣]
إنّها استعارة من أبدع الاستعارات وأرفعها تعبيرا عن أمر يقبح التصريح به، كلمة رقيقة مهذّبة، لم تعرفها العرب من ذي قبل، فجاءت طريفة في نوعها وظريفة في اسلوبها.[٤]
فقد استعير التغشّي كناية عن عمل جنسي، يشبع غريزة فطرية، ويحول دون الهلع إلى الفحشاء، فيوجب عفافا وسترا كريما يغطّي مطاليب الجسد في جوّ نزيه طاهر. وهذا هو الإحصان واللباس الساتر دون كشف العورات. «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ».[٥] فالرجل عندما يقوم بعملية جنسية فإنّه يغشي زوجه بثوب فضفاض من العفاف الشامل، ويغطّيها بلباس التقوى حافظا لها وساترا عليها، برفقٍ ولطفٍ كريم. فما أرقّه من تعبير وأروعه من اسلوب!
٣- أصلية وتبعية
إذا كانت الاستعارة في أسماء الأجناس- سواء في الذوات كالأسد للشجاع والحمار للبليد، أم في المعاني كالقتل للضرب المرهق والسحق لإبطال أمر أو إنكاره-
[١] - القمر ١٢: ٥٤.
[٢] - دلائل الإعجاز، ص ٦٩- ٧٠.
[٣] - الأعراف ١٨٩: ٧.
[٤] - راجع: محاولة لفهم عصري للقرآن، ص ١٧.
[٥] - البقرة ١٨٧: ٢.