التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٨ - تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
ومثاله من القرآن قوله تعالى: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ»[١] فقد شبّه فوَران الماء وخروجه عن حدّ الاعتدال، بحالة التكبّر والاستعلاء الذي يجعل الإنسان عاتيا وخارجا عن القوانين والحدود والأعراف. فالطغيان- وهو التكبّر والاستعلاء من غير حقّ- أمرٌ معنوي، وقد شبّه به فوَران الماء وهو أمرٌ محسوس.
وهكذا قوله تعالى: «وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ».[٢]
والعتوّ- وهو التكبّر- من الامور المعقولة، استعير هنا للريح، وهي محسوسة.
والجامع بينهما- في كلتا الآيتين- هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة.[٣]
تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
ميزة قرآنية اخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة. وتلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون، لاتمسّ ريشة تعبيره جامدا إلّا نبض بالحياة، ولايصيب قلم تحبيره هامدا إلّا انتفض بالتحرّك والهياج، كأنّما العالم كلّه في لوحة تصاويره، أحياء غير أموات، والمظاهر كلّها حركات لاهدوء ولاخمول. هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر، ويصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر. كلّ شيء حيّ، وكلّ شيء دائب في الحركة مُستَوٍ في طريقه نحو الكمال. تلك قدرته الفنّية في بيانه وفي إبداعه في فنون التصوير، يخلع عليها الحركة والحياة. ولم يعهد للعرب نظيره، وقد حاز قصب السبق في مضماره.
* هذا هو الفجر ينبثق في مطلعه، لكنّه في القرآن: «وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ».[٤] هذا هو الجديد في تعبير القرآن: الصبح حيّ يتنفّس، أنفاسه الإشعاع والنور والضياء، وإفاضته الحركة والحياة، حركة تدبّ معها كلّ حيّ عند الصباح. قال سيد قطب: وتكاد اللغة العربية بكلّ مأثوراتها التعبيرية لاتحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح وتكاد رؤية الفجر تشعر القلب المتفتّح أنّه بالفعل يتنفّس،[٥] لأنّ الصبح إذا أقبل أقبل بإقباله روح ونسيم، كالمحتصر
[١] - الحاقة ١١: ٦٩.
[٢] - الحاقة ٦: ٦٩.
[٣] - الطراز، ج ٣، ص ٣٣٩.
[٤] - التكوير ١٨: ٨١.
[٥] - في ظلال القرآن، ج ٨، ص ٤٨٢.